المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٣
و في مصباح الشريعة [١] عنه عليه السّلام قال: «الزّهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار و هو تركك كلّ شيء يشغلك عن اللّه من غير تأسّف على فوتها و لا إعجاب في تركها و لا انتظار فرج منها و طلب محمدة عليها و لا عوض لها بل ترى فوتها راحة و كونها آفة، و تكون أبدا هاربا من الآفة، معتصما بالرّاحة، و الزّاهد الّذي يختار الآخرة على الدّنيا و الذّل على العزّ و الجهد على الرّاحة و الجوع على الشبع و عافية الآجل على محنة العاجل و الذكر على الغفلة و يكون نفسه في الدّنيا و قلبه في الآخرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة» ألا ترى كيف أحبّ ما أبغضه اللّه و أيّ خطّاء أشدّ جرما من هذا؟ و قال بعض أهل البيت عليه السّلام: لو كانت الدّنيا بأجمعها لقمة في فم طفل لرجمناه فكيف حال من ينبذ حدود اللّه خلف ظهره في طلبها و الحرص عليها، و الدّنيا دار لو أحسنت إلى ساكنها لرحمتك و أحسنت وداعك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «لما خلق اللّه الدّنيا أمرها بطاعته فأطاعت ربّها فقال لها: خالفي من طلبك و وافقي من خالفك، فهي على ما عهد إليها اللّه و طبعها عليه.
قال أبو حامد: فهذا بيان انقسام الزّهد بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه فأمّا بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض و نفل و سلامة فالفرض هو الزّهد في الحرام و النفل هو الزّهد في الحلال و السلامة هو الزّهد في الشبهات و قد ذكرنا درجات الورع في كتاب الحلال و الحرام و ذلك من الزّهد إذ قيل لبعض السلف: ما الزّهد؟
فقال: التقوى، و أمّا بالإضافة إلى خفايا ما يترك فلا نهاية للزّهد فيه إذ لا نهاية لما تتمتّع به النّفس في الخطرات و اللّحظات و سائر الحالات لا سيّما خفايا الرّياء فإنّ ذلك لا يطّلع عليه إلّا سماسرة العلماء بل الأموال الظاهرة أيضا درجات الزّهد فيها لا تتناهى فمن أقصى درجاتها زهد عيسى عليه السّلام إذ توسّد حجرا في نومه فقال له الشيطان: أما كنت تركت الدّنيا فما الّذي بدا لك؟ فقال: و ما الّذي تجدّد فقال:
توسّدك الحجر أي تنعّمت برفع رأسك عن الأرض في النوم فرمى الحجر و قال:
خذه فقد تركته لك. و روي عن يحيى بن زكريّا أنّه لبس المسوح حتّى نقب جلده
[١] المصدر باب الحادي و الثلاثون.
المحجة