المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٢
«ف أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» و أمّا المخلصون فإنّ اللّه تعالى اشترى منهم أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة فلمّا رأوا أنّهم تركوا تمتّع عشرين سنة أو ثلاثين بتمتّع الأبد استبشروا ببيعهم الّذي بايعوا به، و هذا بيان المزهود فيه، و إذا فهمت هذا علمت أنّ ما ذكر المتكلّمون في حدّ الزّهد لم يشيروا به إلّا إلى بعض أقسامه فذكر كلّ واحد منهم ما رآه غالبا على نفسه أو على من كان يخاطبه.
(١) أقول: ثمّ ذكر أبو حامد جملة من أقاويل الناس في الزّهد و بيّن قصورها واحدا واحدا.
ثمّ قال: و في الزّهد أقاويل وراء ما قلناه فلم نر في نقله فائدة، فإنّ من طلب كشف حقايق الأمور من أقاويل الناس و رآها مختلفة فلا يستفيد إلّا الحيرة و أمّا من انكشف له الحقّ في نفسه و أدركه بمشاهدة من قلبه لا يتلقّف ممّن سمعه وثق بالحقّ و اطّلع عن قصور من قصر لقصور بصيرته و على اقتصار من اقتصر مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته، و هؤلاء كلّهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة و لكنّهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة و الحاجات تختلف فلا جرم الكلمات تختلف و قد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الرّاهنة الّتي هي مقام العبد في نفسه و الأحوال تختلف فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف، و أمّا الحقّ في نفسه فلا يكون إلّا واحدا و لا يتصوّر أن يختلف.
(٢) أقول: و في الكافي عن السجّاد عليه السّلام «إنّ الزّهد في آية من كتاب اللّه تعالى «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» [١] و قد مضى هذا في كلام أمير- المؤمنين عليه السّلام و هي الكلمة الجامعة في الزّهد، و عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «الزّهد في الدّنيا قصر الأمل و شكر كلّ نعمة و الورع عن كلّ ما حرّم اللّه عزّ و جلّ» [٢].
و عن الصادق عليه السّلام «أنّه سئل عن الزّاهد في الدّنيا فقال: الّذي يترك حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عقابه» [٣].
[١] المصدر ج ٢ ص ١٢٨ تحت رقم ٤، و الآية في سورة الحديد: ٣٣.
[٢] المصدر ج ٥ ص ٧١ تحت رقم ٣.
[٣] رواه الصدوق في العيون ص ١٧٣.
المحجة