المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٠
الدّينار و عرف الدّرهم و علم أنّه لا يقدر على الجمع بينهما لم يحبّ إلّا الدّينار فمن عرف اللّه و عرف لذّة النظر إلى وجهه الكريم و عرف أنّ الجمع بين تلك اللّذّة و بين لذّة التنعّم بالحور العين و النظر إلى نقش القصور و خضرة الأشجار غير ممكن فلا يحبّ إلّا لذّة النظر و لا يؤثر غيره و لا تظننّ أن أهل الجنّة عند النظر إلى وجه اللّه تعالى يبقى للذّة الحور و القصور متّسع في قلوبهم، بل تلك اللّذّة بالإضافة إلى لذّة نعيم الجنّة كلذّة ملك الدّنيا و الاستيلاء على أطراف الأرض و رقاب الخلق بالإضافة إلى لذّة الاستيلاء على عصفور و اللّعب به، و الطالبون لنعيم الجنّة عند أهل المعرفة و أرباب القلوب كالصبيّ الطالب للّعب بالعصفور التارك للذّة الملك، و ذلك لقصوره عن إدراك لذّة الملك لا لأنّ اللّعب بالعصفور في نفسه أعلى و ألذّ من الاستيلاء بطريق الملك على كافّة الخلق.
و أمّا انقسامه بالإضافة إلى المرغوب عنه فقد كثرت فيه الأقاويل و لعلّ المذكور فيه يزيد على مائة قول فلا نشتغل بنقل الأقاويل، و لكن نشير إلى كلام محيط بالتفاصيل حتّى يتّضح أنّ أكثر ما ذكر فيه قاصر عن الإحاطة بالكلّ، فنقول:
المرغوب عنه بالزّهد له إجمال و تفصيل و لتفصيله مراتب بعضها أشرح لآحاد الأقسام و بعضها أجمع للجمل أمّا الإجمال في الدّرجة الأولى فهو كلّ ما سوى اللّه، فينبغي أن يزهد فيه حتّى يزهد في نفسه أيضا، و الإجمال في الدّرجة الثانية أن يزهد في كلّ صفة للنفس فيها متعة، و هذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة و الغضب و الكبر و الرّئاسة و المال و الجاه و غيرها، و الإجمال في الدّرجة الثالثة أن يزهد في المال و الجاه و أسبابهما إذ إليهما ترجع حظوظ النفس، و في الدّرجة الرّابعة أن يزهد في العلم و القدرة و الدّينار و الدّرهم و الجاه، إذ الأموال و إن كثرت أصنافها فيجمعها الدّينار و الدّرهم، و الجاه و إن كثرت أسبابه فيرجع إلى العلم و القدرة و أعني به كلّ علم و قدرة مقصودها ملك القلوب إذ معنى الجاه ملك القلوب و القدرة عليها كما أنّ معنى المال ملك الأعيان و القدرة عليها، فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرح و تفصيل أبلغ من هذا فيكاد يخرج ما فيه الزّهد عن الحصر، و قد ذكر اللّه تعالى في آية
المحجة