المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦
أنّ مقصود الشرائع كلّها سياقة الخلق إلى جوار اللّه و سعادة لقائه، و أنّه لا وصول لهم إلى ذلك إلّا بمعرفة اللّه تعالى و معرفة صفاته و رسله و كتبه و إليه الإشارة بقوله تعالى:
«وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» [١] أي ليكونوا عبيدا لي و لا يكون العبد عبدا ما لم يعرف ربّه بالرّبوبيّة، و نفسه بالعبودية، فلا بدّ و أن يعرف نفسه و ربّه فهذا هو المقصود الأصلي ببعثة الأنبياء و لكن لا يتمّ هذا إلّا في الحياة الدّنيا و هو المعني بقوله عليه السّلام: «الدّنيا مزرعة الآخرة»[١]فصار حفظ الدّنيا أيضا مقصودا تابعا للدّين لأنّه وسيلة إليه، و المتعلّق من الدّنيا بالآخرة شيئان: النفوس و الأموال فكلّ ما يسدّ باب معرفة اللّه فهو أكبر الكبائر، و يليه ما يسدّ باب حياة النفوس، و يلي ذلك ما يسدّ باب المعايش الّتي بها حياة النفوس، فهذه ثلاث مراتب فحفظ المعرفة على القلوب و الحياة على الأبدان و الأموال على الأشخاص ضروريّ في مقصود الشرائع كلّها، و هذه ثلاثة أمور لا يتصوّر أن يختلف فيها الملل، فلا يجوز أن يبعث اللّه تعالى نبيّا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم و دنياهم ثمّ يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته و معرفة رسله أو يأمرهم باهلاك النفوس و إهلاك الأموال فحصل من هذا: أنّ الكبائر على ثلاث مراتب الأولى ما يمنع من معرفة اللّه و معرفة رسله و هو الكفر فلا كبيرة فوق الكفر إذ الحجاب بين اللّه و بين العبد هو الجهل و الوسيلة المقرّبة له إليه هو العلم و المعرفة و قربه بقدر معرفته و بعده بقدر جهله و يتلو الجهل الّذي يسمّى كفرا الأمن من مكر اللّه و القنوط من رحمته فإنّ هذا أيضا عين الجهل، فمن عرف اللّه لم يتصوّر أن يكون آمنا و لا أن يكون آيسا و يتلو هذه الرّتبة البدع كلّها المتعلّقه بذات اللّه سبحانه و بصفاته و بأفعاله و شرائعه و بأوامره و نواهيه، و مراتب ذلك لا تنحصر و هي تنقسم إلي ما يعلم أنّها داخلة تحت ذكر الكبائر المذكورة في القرآن و إلى ما يعلم أنّه لا يدخل و إلى ما يشكّ فيه، و طلب دفع الشكّ في القسم المتوسّط
[١] قال العراقي: لم أجده بهذا اللفظ و أقول: أخرجه الديلمي في مسند الفردوس بهذا اللفظ كما في كنوز الحقائق للشيخ عبد الرءوف المناوى باب الدال.
[١] الذاريات: ٥٦.
المحجة