المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٩
أعنى ما يسلّم لكلّ شخص منها و إن عمر مائة سنة بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقلّ من لقمة بالإضافة إلى ملك الدّنيا إذ لا نسبة للمتناهي إلى ما لا نهاية له و الدّنيا متناهية على القرب و لو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كلّ كدر لكان لا نسبة له إلى الأبد فكيف و مدّة العمر قصيرة و لذّات الدّنيا مكدّرة غير صافية فأيّ نسبة لها إلى نعيم الأبد، فإذن لا يلتفت الزّاهد إلى زهده إلّا إذا التفت إلى ما زهد فيه و لا يلتفت إلى ما زهد فيه إلّا لأنّه يراه شيئا معتدّا به، و لا يراه شيئا معتدّا به إلّا لقصور معرفته، فسبب نقصان الزّهد نقصان المعرفة فهذا تفاوت درجات الزّهد و كلّ درجة من هذه أيضا لها درجات. إذ تصبّر المتزهّد يختلف و يتفاوت أيضا باختلاف قدر المشقّة في الصبر، و كذلك درجة المعجب بزهده في قدر التفاته إلى زهده.
و أمّا انقسام الزّهد بالإضافة إلى المرغوب فيه فهو أيضا على ثلاث درجات:
الدّرجة السفلى أن يكون المرغوب فيه النجاة من النّار و من سائر الآلام كعذاب القبر و مناقشة الحساب، و خطر الصراط، و سائر ما بين يدي العبد من الأهوال كما وردت به الأخبار إذ فيها «أنّ الرّجل ليوقف في الحساب حتّى لو وردت مائة بعير عطاش على عرقه لصدرت رواء» [١] فهذا زهد الخائفين و كأنّهم رضوا بالعدم و لو أعدموا فإنّ الخلاص من الألم يحصل بمجرّد العدم. الدّرجة الثانية أن يزهد رغبة في ثواب اللّه و نعيمه و اللّذّات الموعودة في جنّته من الحور و القصور و غيرها و هذا زهد الرّاجين فإنّ هؤلاء ما تركوا الدّنيا قناعة بالعدم و الخلاص من الألم بل طمعوا في وجود دائم على نعيم قائم لا آخر له. الدّرجة الثالثة و هي العليا أن لا يكون له رغبة إلّا في اللّه و في لقائه، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها، و لا إلى اللّذّات ليقصد نيلها و الظفر بها، بل هو مستغرق الهمّ باللّه تعالى و هو الّذي أصبح و همومه همّ واحد و هو الموحّد الحقيقي الّذي لا يطلب غير اللّه تعالى لأنّ من طلب غير اللّه فقد عبده و كلّ مطلوب معبود و كلّ طالب عبد بالإضافة إلى مطلوبه و طلب غير اللّه من الشرك الخفيّ و هذا زهد المحبّين و هم العارفون لأنّه لا يحب اللّه خاصّة إلّا من عرفه. و كما أنّ من عرف
[١] ما عثرت على أصل له.
المحجة