المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٩
بأس أن تثق بها وثوقا ما و لكن تكون من تغيّرها أيضا على حذر فإنّها سريعة النقض للعهد قريبة الرّجوع إلى مقتضى الطبع، بالجملة فلا أمان منها إلّا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقطّ، و ذلك عند القدرة، و لذلك قال جميع المسلمين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّا نحبّ ربّنا و لو علمنا في أيّ شيء محبّته لفعلنا حتّى نزل قوله تعالى:
«وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» [١] و قال ابن مسعود: و ما عرفت أنّ فينا من يحبّ الدّنيا حتّى نزل قوله «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» [٢] و ليس من الزّهد ترك المال و بذله على سبيل السخاء و الفتوّة و على سبيل استمالة القلوب و لا على سبيل الطمع فذلك كلّه من محاسن العادات، و لكن لا مدخل لها في العبادات، إنّما الزّهد أن تتركها لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة فأمّا كلّ نوع من الترك فإنّه يتصوّر ممّن لا يؤمن باللّه و بالآخرة فذلك قد يكون مروّة و فتوّة و سخاء و حسن خلق، و لكن لا يكون زهدا إذ حسن الذّكر و ميل القلوب من حظوظ العاجلة و هي ألذّ و أهنأ من المال و كما أنّ ترك المال على سبيل السلم طمعا في العوض ليس من الزّهد فكذلك تركه طمعا في الذّكر و الثناء و الاشتهار بالفتوّة و السخاء و استثقالا له لما في حفظ الأموال من المشقّة و العناء و الحاجة إلى التذلّل للسلاطين و الأغنياء ليس من الزّهد أصلا بل هو استعجال حظّ آخر للنفس بل الزّاهد من أتته الدّنيا راغمة عفوا صفوا و هو قادر على التنعّم بها من غير نقصان جاه و قبح اسم و لا فوات حظّ فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير اللّه و محبّا لما سوى اللّه و يكون مشركا في حبّ اللّه غير اللّه أو تركها طمعا في ثواب الآخرة فترك التمتّع بأشربة الدّنيا طمعا في أشربة الجنّة، و ترك التمتّع بالسراري و النسوان طمعا في الحور العين، و ترك التفرّج في البساتين طمعا في بساتين الجنّة و أشجارها، و ترك التزيّن و التجمّل بزينة الدّنيا طمعا في زينة الجنّة، و ترك المطاعم اللّذيذة طمعا في فواكه الجنّة و خوفا من أن يقال له
[١] النساء: ٦٦.
[٢] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة بإسناد حسن كما في المغني.
المحجة