المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٧
في الشمس لا يزال في الذّوبان إلى الانقراض و الآخرة كالجواهر الّتي لا فناء لها فبقدر قوّة اليقين و المعرفة بالتفاوت بين الدّنيا و الآخرة تقوي الرّغبة في البيع و المعاملة حتّى أنّ من قوي يقينه ببيع نفسه و ماله كما قال اللّه تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ» [١] ثمّ بيّن أنّ صفقتهم رابحة فقال: «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [٢] فليس يحتاج من العلم في الزّهد إلّا إلى هذا القدر و هو أنّ الآخرة خير و أبقى و قد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدّنيا إمّا لضعف علمه و يقينه و إمّا لاستيلاء الشهوة في الحال عليه و كونه مقهورا في يد الشيطان و إمّا لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما فيوما إلى أن يختطفه الموت و لا يبقى معه إلّا الحسرة بعد الفوت، و إلى تعريف خساسة الدّنيا الإشارة بقوله تعالى: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ» [٣] و إلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله: «وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ» [٤] فنبّه على أنّ العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه و لمّا لم يتصوّر الزّهد إلّا بمعاوضة و رغبة عن المحبوب في أحبّ منه، قال رجل في دعائه: اللّهمّ أرني الدّنيا كما تراها فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تقل هكذا و لكن قل: أرني الدّنيا كما أريتها الصالحين من عبادك» [١]و هذا لأنّ اللّه يراها حقيرة كما هي و كلّ مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقير و العبد يراها حقيرة في حقّ نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له و لا يتصوّر أن يرى بائع الفرس و إن رغب عن فرسه كما يرى بائع حشرات الأرض لأنّه مستغن عن الحشرات أصلا و ليس مستغنيا عن الفرس و اللّه تعالى غنيّ بذاته عن كلّ ما سواه فيرى الكلّ في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله و يراها متفاوتة بالإضافة إلى غيره و الزّاهد هو الّذي يرى تفاوته بالإضافة
[١] قال العراقي: ذكره صاحب الفردوس مختصرا «اللهم أرني الدنيا كما تريها الصالح من عبادك» من حديث أبي القصير و لم يخرجه ولده.
[١] التوبة: ١١٣.
[٢] التوبة: ١١٣.
[٣] النساء: ٧٧.
[٤] القصص: ٨٠.
المحجة