المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٤
المعيل فربّما لا يكفيه ذلك فإن كان يحتاج إليه قبل السنة فإن كان قادرا على السؤال و لا يفوته فرصته فلا يحلّ له السؤال لأنّه مستغن في الحال و ربّما لا يعيش إلى الغد فيكون قد سأل ما لا يحتاج إليه فيكفيه غداء يوم و عشاء ليلة و عليه ينزّل الخبر الّذي ورد في التقدير بهذا القدر و إن كان يفوته فرصة السؤال و لا يجد من يعطيه لو أخّر فيباح له السؤال لأنّ أمل البقاء سنة غير بعيد فهو بتأخير السؤال خائف أن يبقى مضطرّا عاجزا عمّا يغنيه، فإن كان خوف العجز عن السؤال في المستقبل ضعيفا و كان ما لأجله السؤال خارجا عن محلّ الضرورة لم يخل سؤاله عن كراهية و تكون كراهته بحسب درجات ضعف الاضطرار و خوف الفوت و تراخي المدّة الّتي فيها يحتاج إلى السؤال و كلّ ذلك لا يقبل الضبط و هو منوط باجتهاد العبد و نظره لنفسه بينه و بين اللّه فيستفتي فيه قلبه و يعمل به إن كان سالكا طريق الآخرة و كلّ ما كان يقينه أقوى و ثقته بمجيء الرّزق في المستقبل أتمّ و قناعته بقوت الوقت أظهر فدرجته عند اللّه أعلى فلا يكون خوف الاستقبال و قد آتاك اللّه قوت يومك لك و لعيالك إلّا من ضعف اليقين و الإصغاء إلى تخويف الشيطان و قد قال اللّه تعالى: «فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» [١] و قال: «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا» [٢] و السؤال من الفحشاء الّذي أبيح بالضرورة و حال من يسأل لحاجة متراخية عن يومه و إن كان ممّا يحتاج إليه في السنة أشدّ من حال من ملك مالا موروثا و ادّخر لحاجته وراء السنة و كلاهما مباحان في الفتوى الظاهرة و لكنّها صادران عن حبّ الدّنيا و طول الأمل و عدم الثقة بفضل اللّه و هي من أمّهات المهلكات.
(١) أقول: ثمّ ذكر أبو حامد فصلا في بيان أحوال السائلين و أورد فيه من أقول الصوفيّة و ما كانوا يفعلون و إذ لا وثوق بهم و بما كان يصدر عنهم فلنعرض عن ذلك و من أراد الاطّلاع على حقيقة الحال في الفقر و الزّهد فليطالع ما أوردناه في آخر الشّطر الثاني من هذا الكتاب من كلام الصادق عليه السّلام و محاجّته مع الصوفيّة.
[١] آل عمران: ١٧٥.
[٢] البقرة: ٢٦٨.
المحجة