المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٢
السؤال أن تعلم أنّ المسئول بصفة لو علم ما بك من الحاجة لابتدأك دون السؤال فلا يكون لسؤالك تأثير إلّا في تعريف حاجتك فأمّا في تحريكه بحياء أو إثارة داعيته بالحيل فلا و يتصدّى للسائل حالة لا يشكّ معها في رضا الباطن و حالة لا يشكّ في الكراهة و يعلم ذلك بقرينة الأحوال فالأخذ في الحالة الأولى حلال طلق و في الثانية حرام سحت، و يتردّد بين الحالتين أحوال يشكّ فيها فليستفت قلبه فيها و ليترك حزاز القلب فإنّه الإثم و ليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، و إدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته و ضعف حرصه و شهوته فإن قوي الحرص و ضعفت الفطنة تراءى له ما يوافق غرضه و لا يتفطّن للقرائن الدّالّة على الكراهة و بهذه الدّقائق يطلع على سرّ قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال: «إنّ أطيب ما يأكل الرّجل من كسبه» [١] و قد أوتي جوامع الكلم لأنّ من لا كسب له و لا مال ورثه من كسب أبيه أو أحد أقربائه فيأكل من أيدي النّاس فإن أعطى بغير سؤال فإنّما يعطى لدينه و من يكون باطنه بحيث لو انكشف لا يعطى لدينه فيكون ما يأخذه حراما، و إن أعطى بسؤال فأين من يطيب قلبه بالعطاء إذا سئل و أين من يقتصر في السؤال على حدّ الضرورة، فإذا فتّشت أحوال من يأكل من أيدي الناس علمت أن جميع ما يأكله أو أكثره سحت، و إنّ الطيّب هو الكسب الّذي اكتسب هو أو موروثة، فإذن بعيد أن يجتمع الورع مع الأكل من أيدي الناس، فنسأل اللّه تعالى أن يقطع طمعنا عن غيره و أن يغنينا بحلاله عن حرامه بمنّه و سعة جوده.
(بيان مقدار الغنى المحرّم للسؤال)
اعلم أنّ قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من سأل عن ظهر غنى فإنّما يستكثر من جمر جهنّم» [٢] صريح في التحريم و لكن حدّ الغنى مشكل و تقديره عسير و ليس إلينا وضع المقادير بل نستدرك ذلك بالتوقيف، و قد ورد في الحديث «استغنوا بغنى اللّه تعالى عن غيره قالوا: و ما هو؟ قال: غداء يوم، و عشاء ليلة» [٣]. و في حديث آخر «من سأل و له خمسون درهما أو
[١] تقدم في كتاب الحلال و الحرام.
[٢] تقدم آنفا.
[٣] ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي هريرة كما في المغني.
المحجة