المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٠
و أمّا الذّلّ فبأن يسأل أباه أو قريبه أو صديقه الّذي يعلم أنّه لا ينقصه ذلك في عينه و لا يزدريه بسبب سؤاله أو الرّجل السخيّ الّذي قد أعدّ ماله لمثل هذه المكارم فيفرح بوجود مثله و يتقلّد منّة بقبوله فيسقط عند الذّلّ بذلك فإنّ الذّلّ لازم للمنّة لا محالة. و أمّا الإيذاء فسبيل الخلاص عنه أن لا يعيّن شخصا بالسؤال بعينه بل يلقى الكلام تعريضا بحيث لا يقدم على البذل إلّا متبرّع بصدق الرّغبة و إن كان في القوم شخص مرموق لو لم يبذل لكان يلام فهذا إيذاء فإنّه ربّما يبذل كرها خوفا من الملامة و يكون الأحبّ إليه في الباطن الخلاص لو قدر عليه من غير ملامة، و أمّا إذا كان يسأل شخصا معيّنا فينبغي أن لا يصرّح بل يعرّض تعريضا يبقى له سبيلا إلى التغافل إن أراد، فإذا لم يتغافل مع القدرة عليه فذلك لرغبته و أنّه غير متأذّ به.
(١) أقول: و من طريق الخاصّة ما رواه في الكافي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «لا تسألوا أمّتي في مجالسها فتبخلوها» [١].
قال أبو حامد: و ينبغي أن يسأل من لا يستحيي منه لو ردّه أو تغافل مع القدرة عليه فإنّ الحياء من السّائل يؤذي كما أنّ الرّياء مع غير السّائل يؤذي، فإن قلت:
فإذا أخذ مع العلم بأنّ باعث المعطي هو الحياء منه أو من الحاضرين و لولاه لما ابتدأه فهو حلال أو شبهة؟ فأقول: ذلك حرام محض لا خلاف فيه بين الامّة و حكمه حكم أخذ مال الغير بالضرب و المصادرة إذ لا فرق أن يضرب ظاهر جلده بسياط الخشب أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء و خوف الملام و ضرب الباطن أشدّ نكاية في قلوب العقلاء و لا يجوز أن يقال هو في الظاهر قد رضي به و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «نحن نحكم بالظاهر و اللّه يتولّى السرائر» [٢] فإنّ هذه ضرورة القضاء في فصل الخصومات إذ لا يمكن ردّهم إلى البواطن و قرائن الحالات فاضطرّوا إلى الحكم بظاهر اللّسان مع أنّه ترجمان كثير الكذب و لكنّ الضرورة دعت إليه و هذه سؤال عمّا بين العبد و بين اللّه و الحاكم فيه أحكم الحاكمين و القلوب عنده كالألسنة عند سائر الحكّام فلا تنظر في مثل هذا
[١] المصدر ج ٤ ص ٤٧ تحت رقم ٨.
[٢] قال العراقي: لم أجد له أصلا و كذا قال المزي لما سئل عنه.
المحجة