المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٢
و في الادّخار ثلاث درجات إحداها أن لا يدّخر إلّا ليومه و ليلته و هي درجة الصدّيقين، و الثانية أن يدّخر لأربعين يوما فإنّ ما زاد عليه داخل في طول الأمل و قد فهم العلماء ذلك من ميعاد اللّه تعالى لموسى عليه السّلام ففهم منه الرّخصة في أمل الحياة أربعين يوما و هذه درجة المتّقين، و الثالثة أن يدّخر لسنته و هي أقصى المراتب و هي رتبة الصالحين و من زاد في الادّخار على هذه فهو واقع في غمار العموم خارج عن حيّز الخصوص بالكلّيّة فغنى الصالح العفيف في طمأنينة قلبه في قوت سنته و غنى الخصوص في أربعين يوما و غنى خصوص الخصوص في يوم و ليلة.
(بيان آداب الفقير في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال)
ينبغي أن يلاحظ الفقير فيما جاءه ثلاثة أمور نفس المال و غرض المعطي و غرضه في الأخذ. أمّا نفس المال فينبغي أن يكون حلالا خاليا عن الشبهات كلّها فإن كان فيه شبهة فليحترز من أخذه، و قد ذكرنا في كتاب الحلال و الحرام درجات الشبهة و ما يجب اجتنابه و ما يستحبّ تناولها. و أمّا غرض المعطي فلا يخلو إمّا أن يكون غرضه تطييب قلبه و طلب محبّته و هو الهداية أو الثواب و هو الصدقة و الزّكاة أو الذّكر و الرّياء و السّمعة إمّا على التجرّد و إمّا ممزوجا ببقية الأغراض، أمّا الأوّل و هو الهديّة فلا بأس بقبولها فإنّ قبولها سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لكن ينبغي أن لا يكون فيها منّة و إن كان فيها منّة فالأولى تركها فإن علم أنّ بعضها ممّا تعظم فيه المنّة فليردّ البعض دون البعض، فقد أهدى رجل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سمنا و أقطا و كبشا فقبل السمن و الأقط و ردّ الكبش» [١] و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقبل من بعض الناس و يردّ على بعض [٢] و قال: «لقد هممت أن لا أتّهب إلّا من قرشيّ أو ثقفيّ أو أنصاري أو دوسيّ» [٣] و فعل هذا جماعة من الصحابة و التابعين، و جيء بصرّة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهما فقال: حدّثنا عطاء عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «من أتاه رزق من غير مسألة و ردّه
[١] أخرجه أحمد في ضمن حديث ليعلى بن مرة و اسناده جيد.
[٢] راجع مسند أبي داود الطيالسي ص ١٤٦ تحت رقم ١٠٨٢ و ١٠٨٣.
[٣] أخرجه النسائي ج ٦ ص ٢٨٠ من حديث أبي هريرة.
المحجة