المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٩
الشهوات و هذا حال الضعفاء فلا جرم البغض للمال و الهرب منه في حقّهم كمال و هذا حكم جميع الخلق لأنّ كلّهم ضعفاء إلّا الأنبياء و الأولياء، و إمّا أن ينقل عن قويّ بلغ الكمال و لكن أظهر الفرار و النفار نزولا إلى درجة الضعفاء ليقتدوا به في الترك إذ لو اقتدوا به في الأخذ لهلكوا كما يفرّ الرّجل المعزّم بين يدي أولاده من الحيّة لا لضعفه عن أخذها و لكن لعلمه بأنّه لو أخذها أخذها أولاده إذا رأوها و هلكوا، و السير بسيرة الضعفاء ضرورة الأنبياء و الأولياء و العلماء فقد عرفت إذن أنّ المراتب ستّ و أنّ أعلاها رتبة المستغني، ثمّ الزّاهد، ثمّ الرّاضي، ثمّ القانع، ثمّ الحريص.
(١) أقول: بل عرفت أنّها لا تزيد على خمس لأنّ الرّاضي و المستغني واحد.
قال: و اسم الفقر يطلق على هذه الخمسة و أمّا تسمية المستغني فقيرا فلا وجه له بهذا المعنى، بل إن سمّي فقيرا فبمعنى آخر و هو معرفته بكونه محتاجا إلى اللّه تعالى في جميع أموره عامّة و في بقاء استغنائه عن المال خاصّة فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبوديّة و أقرّ بها فإنّه أحقّ باسم العبد من الغافلين و إن كان اسم العبد عامّا للخلق فكذلك اسم الفقير عامّ و من عرف نفسه بالفقر إلى اللّه تعالى فهو أحقّ باسم الفقير فاسم الفقير مشترك بين هذين المعنيين، فإذا عرفت هذا الاشتراك فهمت أنّ قوله عليه السّلام: «أعوذ بك من الفقر»[١]و «كاد الفقر أن يكون كفرا» [١] لا يناقض قوله: «أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين» [٢] إذ فقر المضطرّ هو الّذي استعاذ منه، و الفقر الّذي هو الاعتراف بالمسكنة و الذّلّة و الافتقار إلى اللّه تعالى هو الّذي سأله في دعائه.
(بيان فضيلة الفقر مطلقا)
أمّا من الآيات
فيدلّ عليه قوله تعالى:
[١] أخرجه النسائي ج ٨ ص ٢٦٢ في حديث و فيه «من شر فتنة الفقر» و أخرجه أبو داود و ابن ماجه.
[١] أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس و قد تقدم في كتاب الحسد.
[٢] أخرجه، لحاكم و ابن ماجه تحت رقم ٤١٢٦ و صححه من حديث أبي سعيد و قد تقدم
المحجة