المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٧
بين إصبعين من أصابع الرّحمن فلذلك لم يكن اسم الغني مطلقا عليه مع هذا الكمال إلّا مجازا.
و اعلم أنّ الزّهد درجة هي كمال الأبرار و صاحب هذه الحالة من المقرّبين فلا جرم صار الزّهد في حقّه نقصانا إذ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين و هذا لأنّ الكارة في الدّنيا مشغول بالدّنيا كما أنّ الرّاغب فيها مشغول بها. و الشغل بما سوى اللّه حجاب عن اللّه تعالى إذ لا بعد بينك و بين اللّه حتّى يكون البعد حجابا فإنّه أقرب إليك من حبل الوريد، و ليس هو في مكان حتّى تكون السماوات و الأرض حجابا بينك و بينه فإنّه أقرب إليك منك، فلا حجاب بينك و بينه إلّا شغلك بغيره و شغلك بنفسك و شهواتك شغل بغيره و أنت لا تزال مشغولا بنفسك و بشهوات نفسك، فلذلك لا تزال محجوبا عنه فالمشغول بحبّ نفسه مشغول عن اللّه و المشغول ببغض نفسه أيضا مشغول عن اللّه بل كلّ ما سوى اللّه مثاله مثال الرّقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق و المعشوق فإن التفت قلب العاشق إلى الرّقيب و إلى بغضه و استثقاله و كراهة حضوره فهو في حالة اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذّذ بمشاهدة معشوقه و لو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق و لم يلتفت إليه فكما أنّ النظر إلى غير المعشوق لحبّه عند حضور المعشوق شرك في العشق و نقص فيه، فكذا النظر إلى غيره لبغضه شرك فيه و نقص و لكن أحدهما أخفّ من الآخر بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب بغضا و حبّا فإنّه كما لا يجتمع في القلب حبّان في حالة واحدة فلا يجتمع أيضا بغض و حبّ في حالة واحدة فالمشغول ببغض الدّنيا غافل عن اللّه تعالى كالمشغول بحبّها إلّا أنّ المشغول بحبّها غافل و هو في غفلته سالك في طريق البعد، و المشغول ببغضها غافل و هو في غفلته سالك في طريق القرب إذ يرجى له أن ينتهي حاله إلى أن تزول هذه الغفلة و تتبدّل بالشهود، فالكمال له مرتقب لأنّ بغض الدّنيا مطيّة توصل إلى اللّه فالمحبّ و المبغض كرجلين في طريق الحجّ مشغولين بركوب الناقة و علفها و تسييرها و لكن أحدهما مستدبر للكعبة و الآخر مستقبل لها فهما سيّان بالإضافة إلى الحال في أنّ كلّ واحد منهما محجوب عن الكعبة و مشغول عنها، و لكن حال المستقبل
المحجة