المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٩
الحرّ إذ جاء رجل ينزع ثيابه ثمّ جعل يتمرّغ في الرّمضاء يكوي ظهره مرّة و بطنه مرّة و جبهته مرّة و يقول: يا نفس ذوقي فما عند اللّه أعظم ممّا صنعت بك. و رسول اللّه ينظر إلى ما يصنع ثمّ إنّ الرّجل لبس ثيابه ثمّ أقبل فأومأ إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيده و دعاه فقال له: يا عبد اللّه لقد رأيتك صنعت شيئا ما رأيت أحدا من الناس صنعه فما حملك على ما صنعت؟ فقال الرّجل: حملني على ذلك مخافة اللّه و قلت لنفسي: يا نفسي ذوقي فما عند اللّه أعظم ممّا صنعت بك فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لقد خفت ربّك حقّ مخافته و إنّ ربّك ليباهي بك أهل السماء ثمّ قال لأصحابه: يا معشر من حضر ادنوا من صاحبكم حتّى يدعو لكم فدنوا منه فدعا لهم و قال: «اللّهمّ اجمع أمرنا على الهدى و اجعل التقوى زادنا و الجنّة مآبنا».
قال أبو حامد: و قال عيسى عليه السّلام: معاشر الحواريّين خشية اللّه و حبّ الفردوس يورثان الصبر على المشقّة و يباعدان من الدّنيا، بحقّ أقول لكم: إنّ أكل الشعير و النوم على المزابل مع الكلاب في طلب الفردوس قليل. و قيل: كان الخليل عليه السّلام إذا ذكر خطيئته يغشى عليه و يسمع اضطراب قلبه ميلا في ميل فيأتيه جبرئيل فيقول له: الجبّار يقرئك السلام و يقول: هل رأيت خليلا يخاف خليله، فيقول: يا جبرئيل إنّي إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلّتي، و قيل كان يسمع أزيز قلبه عليه السّلام إذا كان في الصلاة مسيرة ميل خوفا من ربّه، و قال عليّ عليه السّلام و قد سلّم عن صلاة الفجر و قد علاه كآبة و هو يقلّب يده: لقد رأيت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم أر اليوم شيئا يشبههم لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا للَّه سجّدا و قياما يتلون كتاب اللّه يراوحون بين جباههم و أقدامهم فإذا أصبحوا و ذكروا اللّه مادوا كما تميد الشجر في يوم الرّيح و هملت أعينهم بالدّموع حتّى تبلّ ثيابهم و اللّه لكأنّي بالقوم باتوا غافلين. ثمّ قام فما رئي بعد ذلك ضاحكا حتّى ضربه ابن ملجم، و كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا توضّأ اصفرّ لونه فيقول له أهله: ما هذا الّذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أ تدرون بين يدي من أريد أن أقوم [١].
(١) أقول: و من
[١] تقدم جميع ذلك في المجلد الأول كتاب أسرار الصلاة و المجلد الرابع كتاب أخلاق النبوة و كتاب آداب الشيعة و أخلاق الإمامة.
المحجة