المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٨
و سقط فاضطرب قعدتا على صدره و على رجليه مخافة أن يتفرّق أعضاؤه و مفاصله فيموت.
و قال ابن عمر: دخل يحيى بن زكريّا عليهما السّلام بيت المقدّس و هو ابن ثمان سنين فنظر إلى عبّادهم قد لبسوا مدارع الشعر و الصوف و نظر إلى مجتهديهم قد خرقوا التراقي و سلكوا فيها السلاسل و شدّوا أنفسهم إلى أطراف بيت المقدس فهاله ذلك فرجع إلى أبويه فمرّ بصبيان يلعبون فقالوا له: يا يحيى هلمّ بنا لنلعب فقال: إنّي لم أخلق للّعب قال: فأتى أبويه فسألهما أن يدرّعاه الشعر ففعلا فرجع إلى بيت المقدس و كان يخدمه نهارا و يصبح فيه ليلا حتّى أتت عليه خمس عشرة سنة فخرج و لزم أطواد الأرض و غيران الشعاب فخرج أبواه في طلبه فأدركاه على بحيرة الاردن و قد انقطع رجليه في الماء حتّى كاد العطش يذبحه و هو يقول: و عزّتك و جلالك لا أذوق بارد الشراب حتّى أعلم أين مكاني منك فسأله أبواه أن يفطر على قرص كان معهما من شعير و يشرب من ذلك الماء ففعل و كفّر عن يمينه فمدح بالبرّ فردّه أبواه إلى بيت المقدس فكان إذا قام يصلّي بكى حتّى يبكي معه الشجر و المدر و يبكي زكريّا عليه السّلام لبكائه حتّى يغمى عليه فلم يزل يبكي حتّى خرقت دموعه لحم خدّيه و بدت أضراسه للناظرين فقالت له أمّه: يا بنيّ لو أذنت لي أن أتّخذ لك شيئا تواري به أضراسك عن الناظرين، فأذن لها فعمدت إلى قطعتي لبود فألصقتهما على خدّيه فكان إذا قام يصلّي بكى فإذا استنقعت دموعه في القطعتين أتت إليه أمّه فعصرتهما فإذا رأى دموعه تسيل على ذراعي أمّه قال: اللّهمّ هذه دموعي و هذه امّي و أنا عبدك و أنت أرحم الرّاحمين، فقال له زكريّا: يا بنيّ إنّما سألت ربّي أن يهبك لي لتقرّ عيناي فقال يحيى: يا أبت إنّ جبرئيل أخبرني أنّ بين الجنّة و النّار مفازة لا يقطعها إلّا كلّ بكّاء قال زكريّا عليه السّلام: فابك يا بنيّ.
(١) أقول: و هذا الحديث رواه شيخنا الصدوق في المجلس الثامن من كتاب عرض المجالس بإسناده عن ابن عمر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع زيادة و نقصان و اختلاف في ألفاظه و روى في المجلس الرّابع و الخمسين من طريق الخاصّة عن ليث بن أبي سليم قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مستظلّ بظلّ شجرة في يوم شديد
المحجة