المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٤
فأن لا تطلب اللّذائذ من الأطعمة بل تقنع بما يتّفق فإن قدرت على هذه الثلاث و سقط عنك مئونة الشهوات و اللّذائذ قدرت بعد ذلك على ترك الشبهات و أمكنك أن لا تأكل إلّا من حلّه فإنّ الحلال يعزّ و لا يفي بجميع الشهوات، و أمّا ملبسك فليكن غرضك منه دفع الحرّ و البرد و ستر العورة و كلّ ما دفع البرد عن رأسك و لو قلنسوة بدانق فطلبك غيره فضول منك يضيع زمانك و يلزمك الشغل الدّائم و العناء القائم في تحصيله بالكسب مرّة و الطمع أخرى من الحرام و الشبهة، و قس بهذا ما تدفع به الحرّ و البرد عن بدنك، فكلّما حصل مقصود اللّباس إن لم يكتف به من خساسة قدره و جنسه لم يكن لك موقف و مردّ بعده، بل كنت ممّن لا يملأ بطنه إلّا التراب، و كذلك المسكن إن اكتفيت بمقصوده كفتك السماء سقفا و الأرض مستقرّا فإن غلبك حرّ أو برد فعليك بالمساجد فإن طلبت مسكنا خاصّا طال عليك و انصرف إليه أكثر عمرك و عمرك هو بضاعتك ثمّ إن يتيسّر لك فقصدت من الحائط سوى كونه حائلا بينك و بين الأبصار و من السقف سوى كونه دافعا للأمطار فأخذت ترفع الحيطان و تزيّن السقوف فقد تورطت في مهواة يتعذّر رقيّك منها و هكذا جميع ضرورات أمورك إن اقتصرت عليها تفرّغت للَّه و قدرت على التزوّد لآخرتك و الاستعداد لخاتمتك و إن جاوزت حدّ الضرورة إلى أودية الأماني تشعّبت عمومك و لم يبال اللّه في أيّ واد أهلك فاقبل هذه النصيحة ممّن هو أحوج إلى النصيحة منك.
و اعلم أنّ متّسع التدبير و التزوّد و الاحتياط هذا العمر القصير فإذا دفعته يوما بيوم في تسويفك أو غفلتك اختطفت فجأة في غير وقت إرادتك و لم تفارقك حسرتك و ندامتك، فإن كنت لا تقدر على ملازمة ما أرشدت إليه لضعف خوفك إذ لم يكن فيما وصفناه من أمر الخاتمة كفاية في تخويفك فإنّا سنورد عليك من أحوال الخائفين ما نرجو أن تزيل بعض القساوة عن قلبك فإنّك تتحقّق أنّ عقل الأنبياء و العلماء و الأولياء و علمهم و مكانهم عند اللّه لم تكن دون عقلك و عملك و مكانك فتأمّل مع كلال بصيرتك و عمش عين قلبك في أحوالهم لم اشتدّ بهم الخوف و طال بهم الحزن و البكاء حتّى كان بعضهم يصعق و بعضهم يدهش و بعضهم يسقط مغشيّا عليه و بعضهم يخرّ ميتا
المحجة