المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٩
ما يلقاه من الفرح و السرور بمجرّد القدوم فضلا عمّا يستحقّه من لطائف الإكرام و بدائع الإنعام، و أمّا الخاتمة الثانية الّتي هي دون الأولى و ليست مقتضية للخلود في النّار فلها أيضا سببان أحدهما كثرة المعاصي و إن قوي الايمان و الآخر ضعف الإيمان و إن قلّت المعاصي و ذلك لأنّ مقارفة المعاصي سببها غلبة الشهوات و رسوخها في القلب بكثرة الإلف و العادة و جميع ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره إلى قلبه عند موته فإن كان ميله الأكثر إلى الطاعات كان أكثر ما يحضره طاعة اللّه و إن كان ميله الأكثر إلى المعاصي غلب ذكرها على قلبه عند الموت فربّما يقبض روحه عند غلبة شهوة من شهوات الدّنيا و معصية من المعاصي فيتقيّد بها قلبه و يصير محجوبا عن اللّه تعالى، فالّذي لا يقارف الذّنب إلّا الفينة بعد الفينة فهو أبعد عن هذا الخطر و الّذي لم يقارف ذنبا أصلا فهو بعيد جدّا عن هذا الخطر، و الّذي غلبت عليه المعاصي و كانت أكثر من طاعاته و قلبه بها أروح منه بالطاعة فهذا الخطر عظيم في حقّه جدّا و يعرف هذا بمثال و هو أنّه لا يخفى عليك أنّ الإنسان يرى في منامه جملة من الأحوال الّتي عهدها طول عمره حتّى أنّه لا يرى إلّا ما يماثل مشاهداته في اليقظة و حتّى أنّ المراهق الّذي يحتلم لا يرى صورة الوقاع إذا لم يكن قد واقع في اليقظة و لو بقي كذلك مدّة لما رأى عند الاحتلام صورة الوقاع، ثمّ لا يخفى أنّ الّذي قضى عمره في التفقّه يرى من الأحوال المتعلّقة بالعلم و العلماء أكثر ممّا يراه النجّار الّذي قضى عمره في النجارة و النجّار يرى من الأحوال المتعلّقة بأسباب النجارة أكثر ممّا يراه الطبيب و الفقيه لأنّه إنّما يظهر في حالة النوم ما حصل له مناسبة مع القلب بطول الإلف أو لسبب آخر من الأسباب و الموت شبيه النوم و لكنّه فوقه و لكن سكرات الموت و ما يتقدّمه من الغشية قريب من النوم فيقتضي ذلك تذكّر المألوفات و عودها إلى القلب و أحد الأسباب المرجّحة لحصول ذكره في القلب طول الإلف و طول الإلف بالمعاصي و الطاعات أيضا مرجّح و لذلك يخالف أيضا منامات الصالحين منامات الفسّاق فيكون غلبة الإلف سببا لأن يتمثّل صورة فاحشة في قلبه و تميل إليها نفسه فربما يقبض عليها روحه فيكون ذلك سبب سوء خاتمته و إن كان أصل الإيمان باقيا بحيث يرجى
المحجة