المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٨
بحيث لا يبقى في القلب موضع لحبّ اللّه إلّا من حيث حديث النفس لا يظهر له أثر في مخالفة النفس و العدول عن طريق الشيطان فيورث ذلك الانهماك في اتّباع الشهوات حتّى يظلم القلب و يقسو و يسوّد و يتراكم ظلمة الذّنوب على القلب و لا يزال يطفئ ما فيه من نور الإيمان على ضعفه حتّى يصير طبعا و رينا فإذا جاءت سكرات الموت ازداد ذلك الحبّ أعني حبّ اللّه ضعفا لما يبدو من استشعار فراق الدّنيا و هي المحبوب الغالب على القلب فيتألّم القلب باستشعار فراق الدّنيا و يرى ذلك من اللّه فيختلج ضميره بإنكار ما قدّر اللّه من الموت و كراهة ذلك من حيث إنّه من اللّه فيخشى أن يثور في باطنه بغض اللّه بدل الحبّ كما أنّ الّذي يحبّ ولده حبّا ضعيفا إذا أخذ ولده أمواله الّتي هي أحبّ إليه من ولده و أحرقها انقلب ذلك الحبّ الضعيف بغضا فإن اتّفق زهوق روحه في تلك اللّحظة الّتي خطرت فيها هذه الخطرة فقد ختم له بالسوء و هلك هلاكا مؤبّدا، و السبب الّذي يفضي إلى مثل هذه الخاتمة هو غلبة حبّ الدّنيا و الرّكون إليها و الفرح بأسبابها مع ضعف الإيمان الموجب لضعف حبّ اللّه، فمن وجد في قلبه حبّ اللّه أغلب من حبّ الدّنيا و إن كان يحبّ الدّنيا أيضا فهو أبعد عن هذا الخطر و حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة و هو الدّاء العضال و قد عمّ أصناف الخلق و ذلك كلّه لقلّة المعرفة باللّه تعالى إذ لا يحبّه إلّا من عرفه و لهذا قال تعالى: «قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» [١] فإذن من فارقته روحه في حال خطرة الإنكار على اللّه تعالى بباله و ظهور بغض فعل اللّه تعالى بقلبه في تفريقه بينه و بين أهله و ماله و سائر محابّه فيكون موته قدوما على ما أبغضه و فراقا لما أحبّه فيقدم على اللّه تعالى قدوم العبد المبغض الآبق إذا قدم به على مولاه قهرا فلا يخفى ما يستحقّه من الخزي و النكال و أمّا الّذي يتوفّى على الحبّ فإنّه يقدم على اللّه تعالى قدوم العبد المحسن المشتاق إلى مولاه الّذي يتحمّل مشاقّ الأعمال و وعثاء الأسفار طمعا في لقائه فلا يخفى
[١] التوبة: ٢٤.
المحجة