المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٧
الخوف و الرّجاء إلى مقام المجاهدة و التجرّد لذكر اللّه و الفكر فيه على الدّوام و يؤدّي دوام الذّكر إلى الانس، و دوام الفكر إلى كمال المعرفة و يؤدّي كمال المعرفة و الانس إلى المحبّة و يتبعها مقام الرّضا و التوكّل و سائر المقامات، فهذا هو الترتيب في سلوك منازل الدّين، فليس بعد أصل اليقين مقام سوى الخوف و الرّجاء، و لا بعدهما مقام سوى الصّبر و به المجاهدة و التجرّد للَّه باطنا و ظاهرا و لا مقام بعد المجاهدة لمن فتح له الطريق إلّا الهداية و المعرفة، و لا مقام بعد المعرفة إلّا المحبّة و الانس و من ضرورة المحبّة الرّضا بفعل المحبوب و الثّقة بعنايته و هو التوكّل فإذن فيما ذكرنا في علاج الصبر كفاية و لكنّا نفرد الخوف بكلام جملي.
فنقول: الخوف يحصل بطريقين مختلفين أحدهما أعلى من الآخر، و مثاله أنّ الصبيّ إذا كان في بيت فدخل عليه سبع أو حيّة ربّما كان لا يخاف و ربّما مدّ اليد إلى الحيّة ليأخذها و يلعب بها، و لكن إذا كان معه أبوه و هو عاقل خاف من الحيّة و هرب منها فإذا نظر الصبيّ إلى أبيه و هو يرتعد فرائصه و يحتال في الهرب قام معه و غلب عليه الخوف و وافقه في الهرب فخوف الأب عن بصيرة و معرفة بصفة الحيّة و سمّها و خاصيّتها و سطوة السبع و بطشه و قلّة مبالاته، و أمّا خوف الابن فانّما كان بمجرّد التقليد لأنّه يحسن الظنّ بأبيه و يعلم أنّه لا يخاف إلّا من سبب مخوف في نفسه فيعلم أنّ السبع مخوف و لا يعرف وجهه، فإذا عرفت هذا المثال فاعلم أنّ الخوف من اللّه تعالى على مقامين أحدهما الخوف من عذابه، و الثاني الخوف منه في ذاته، فأمّا الخوف منه فهو خوف العلماء و أرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة و الخوف و الحذر المطّلعين على سرّ قوله: «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» [١]، و قوله: «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ» [٢] فأمّا الأوّل فهو خوف عموم الخلق و هو حاصل بأصل الإيمان بالجنّة و النّار و كونهما جزاءين على الطاعة و المعصية و ضعفه بسبب الغفلة و بسبب ضعف الإيمان و إنّما تزول الغفلة بالوعظ و التذكير و ملازمة الفكر في أهوال القيامة و أصناف العذاب في الآخرة و يزيد أيضا
[١] آل عمران: ٢٩.
[٢] آل عمران: ١٠٢.
المحجة