المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٥
الرّجاء استقام في محجّة الأذكار، فإذن لا بدّ من الجمع بين هذه الأمور. و غلبة الخوف هو الأصلح و لكن قبل الاشراف على الموت أمّا عند الموت فالأصلح غلبة الرّجاء و حسن الظنّ لأنّ الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل. و قد انقضى وقت العمل، فالمشرف على الموت لا يقدر على العمل، ثمّ لا يطيق أسباب الخوف فإنّ ذلك يقطع نياط قلبه و يعين على تعجيل موته، و أمّا روح الرّجاء فإنّه يقوى قلبه و يحبّب إليه ربّه الّذي إليه رجاؤه و لا ينبغي أن يفارق أحد الدّنيا إلّا محبّا للَّه تعالى ليكون محبّا للقاء اللّه، فإنّ من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، و الرّجاء تقارنه المحبّة فمن ارتجى كرمه فهو محبوب و المقصود من العلوم و الأعمال كلّها معرفة اللّه حتّى يثمر المعرفة المحبّة فإنّ المصير إليه و القدوم بالموت عليه، و من قدم على محبوبه عظم سروره بقدر محبّته و من فارق محبوبه اشتدّت محنته و عذابه، فمهما كان القلب الغالب عليه عند الموت حبّ الأهل و الولد و المال و المسكن و العقار و الرّفقاء و الأصحاب فهذا رجل محابّه كلّها في الدّنيا فالدّنيا جنّته إذ الجنّة عبارة عن البقعة الجامعة لجميع المحابّ فموته خروج من الجنّة و حيلولة بينه و بين ما يشتهيه، و لا يخفى حال من يحال بينه و بين ما يشتهيه، فأمّا إذا لم يكن له محبوب سوى اللّه و سوى ذكره و معرفته و الفكر فيه فالدّنيا و علائقها شاغلة له عن المحبوب فالدّنيا إذن سجنه لأنّ السّجن عبارة عن البقعة المانعة للمحبوس عن الاسترواح إلى محابّه فموته قدوم على محبوبه و خلاص من السجن و لا يخفى حال من أفلت من السجن و خلّي بينه و بين محبوبه بلا مانع و لا مكدّر، فهذا أوّل ما يلقاه كلّ من فارق الدّنيا عقيب موته من الثواب و العقاب فضلا عمّا أعدّ اللّه لعباده الصّالحين ممّا لم تره عين و لم تسمعه إذن و لا خطر على قلب بشر و فضلا عمّا أعدّ اللّه للّذين استحبّوا الحياة الدّنيا على الآخرة و رضوا بها و اطمأنّوا إليها من الأنكال و السلاسل و الأغلال و ضروب الخزي و النّكال فنسأل اللّه تعالى أن يتوفّانا مسلمين و يلحقنا بالصّالحين و لا مطمع في إجابة هذا الدّعاء إلّا باكتساب حب اللّه و لا سبيل إليه إلّا بإخراج حبّ غيره من القلب و قطع العلائق عن كلّ ما سوى اللّه من جاه و مال و
المحجة