المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٤
القلب و الخوف يميت النّفس، قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المؤمن بين خوفين خوف ما مضى و خوف ما بقي» و بموت النفس يكون حياة القلب، و بحياة القلب يكون البلوغ إلى الاستقامة، و من عبد اللّه على ميزان الخوف و الرّجاء لا يضلّ و يصل إلى مأموله، و كيف لا يخاف العبد و هو غير عالم بما يختم صحيفته و لا له عمل يتوسّل به استحقاقا و لا قدرة له على شيء و لا مفرّ و كيف لا يرجو و هو يعرف نفسه بالعجز و هو غريق في بحر آلاء اللّه و نعمائه من حيث لا تحصى و لا تعدّ و المحبّ يعبد ربّه على الرّجاء بمشاهدة أحواله بعين سهر، و الزّاهد يعبد على الخوف.
قال أويس لهرم بن حيان: قد عمل الناس على الرّجاء فقال: بل نعمل على الخوف، و الخوف خوفان ثابت و معارض فالثابت من الخوف يورث الرّجاء و المعارض منه يورث خوفا ثانيا، و الرّجاء رجاءان عاكف و باد، فالعاكف منه يورث خوفا ثابتا يقوى نسبة المحبّة، و البادي منه يصحّح أهل العجز و التقصير و الحياء.
قال أبو حامد: فإذن أقصى غايات المؤمن أن يعتدل خوفه و رجاؤه أمّا غلبة الرّجاء في غالب النّاس يكون مستنده الاغترار و قلّة المعرفة، و لذلك جمع اللّه بينهما في وصف من أثنى عليهم. فقال: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً» [١] و قال:
«يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً» [٢] فالخلق الموجودون في هذا الزّمان كلّهم الأصلح لهم غلبة الخوف بشرط أن لا يخرجهم إلى اليأس و ترك العمل و قطع الطمع من المغفرة فيكون ذلك سببا للتكاسل عن العمل و داعيا إلى الانهماك في المعاصي فإنّ ذلك قنوط و ليس بخوف، إنّما الخوف هو الّذي يحثّ على العمل و يكدّر جميع الشهوات و يزعج القلب عن الرّكون إلى الدّنيا و يدعوه إلى التجافي عن دار الغرور فهو الخوف المحمود دون حديث النّفس الّذي لا يؤثّر في الكفّ و الحثّ و دون اليأس الموجب للقنوط.
و قد قال يحيى بن معاذ: من عبد اللّه تعالى بمحض الخوف غرق في بحار الأفكار، و من عبده بمحض الرّجاء تاه في مفازة الاغترار، و من عبده بالخوف و
[١] السجدة: ١٦.
[٢] الأنبياء: ٩٠.
المحجة