المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٩
فلا يكون بانتظاره راجيا، فالخوف و الرّجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر، نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر و هما مجتمعان و يجوز أن يشتغل القلب بأحدهما و لا يلتفت إلى الآخر في الحال لغفلته عنه و هذا لأنّ من شرط الرّجاء و الخوف تعلّقهما بما هو مشكوك فيه إذ المعلوم لا يرجى و لا يخاف، فإذن المحبوب الّذي يجوز وجوده يجوز عدمه لا محالة فتقدير وجوده يروّح القلب و هو الرّجاء و تقدير عدمه يوجع القلب و هو الخوف، و التقديران يتقابلان لا محالة إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه، نعم أحد طرفي الشكّ قد يترجّح بحضور بعض الأسباب و يسمّى ذلك ظنّا فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على الآخر، فإذا غلب على الظنّ وجود المحبوب قوي الرّجاء و خفي الخوف بالإضافة إليه، و كذا بالعكس، و على كلّ حال فهما متلازمان و لذلك قال تعالى:
«وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً» [١] و قال تعالى: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً» [٢] و لذلك عبّر العرب عن الخوف بالرّجاء، قال اللّه تعالى: «ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً» [٣] أي لا تخافون، و كثيرا ما ورد في القرآن الرّجاء بمعنى الخوف و ذلك لتلازمهما إذ عادة العرب التعبير عن الشيء بما يلازمه، بل أقول: كلّ ما ورد في فضل البكاء من خشية اللّه فهو إظهار لفضيلة الخشية فإنّ البكاء ثمرة الخشية و قد قال اللّه تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً» [٤] و قال تعالى: «وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» [٥] و قال: «أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَ تَضْحَكُونَ وَ لا تَبْكُونَ. وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ» [٦] و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة و إن كانت مثل رأس الذّباب من خشية اللّه تعالى ثمّ تصيب شيئا من حرّ وجهه إلّا حرّمه اللّه تعالى على النّار [٧]» و قال عليه السّلام: «إذا اقشعرّ قلب
[١] الأنبياء: ٩٠.
[٢] السجدة: ١٦.
[٣] نوح: ١٣.
[٤] التوبة: ٨٢.
[٥] الاسراء: ١٠٩.
[٦] النجم: ٦٠ و ٦١ و ٦٢.
[٧] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤١٩٧ من حديث ابن مسعود و سنده حسن كما في الجامع الصغير.
المحجة