المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٧
لا استعمال الأخرق الّذي يظنّ أنّ كلّ شيء من الأدوية صالح لكلّ مريض كيف ما كان، و حال الرّجاء يغلب بفنّين أحدهما الاعتبار و الآخر استقراء الآيات و الأخبار و الآثار.
أمّا الاعتبار
فهو أن يتأمّل جميع ما ذكرناه في أصناف النعم من كتاب الشكر حتّى إذا علم لطائف نعم اللّه لعباده في الدّنيا و عجائب حكمه الّتي راعاها في فطرة الإنسان حتّى أعدّ له في الدّنيا كلّ ما هو ضروريّ له في دوام الوجود كآلات الغذاء و ما هو محتاج إليه كالأصابع و الأظفار و ما هو زينة له كاستقواس الحاجبين و اختلاف ألوان العينين و حمرة الشفتين و غير ذلك ممّا كان لا ينثلم بفقده غرض مقصود، و إنّما كان يفوت به مزيّة جمال فالعناية الإلهيّة إذا لم تقصر عن عباده في أمثال هذه الدّقائق حتّى لم يرض لعباده أن يفوتهم المزايد و المزايا في الزّينة و الحاجة كيف يرضى بسياقهم إلى الهلاك المؤبّد، بل إذا نظر الإنسان نظرا شافيا علم أنّ أكثر الخلق قد هيّئ له أسباب السعادة في الدّنيا حتّى أنّه يكره الانتقال من الدّنيا بالموت و إن أخبر بأنّه لا يعذّب بعد الموت أبدا مثلا أو لا يحشر أصلا، فليست كراهتهم للعدم إلّا لأنّ أسباب النعم أغلب لا محالة و إنّما الّذي يتمنّى الموت نادر ثمّ لا يتمنّاه إلّا في حالة نادرة و واقعة هاجمة غريبة فإذا كان حال أكثر الخلق في الدّنيا الغالب عليه الخير و السّلامة، فسنّة اللّه لا تجد لها تبديلا فالغالب أنّ أمر الآخرة هكذا يكون لأنّ مدبّر الدّنيا و الآخرة واحد و هو غفور رحيم لطيف بعباده متعطّف عليهم، فهذا إذا تأمّل حقّ التأمّل قوى به أسباب الرّجاء.
و من الاعتبار أيضا النظر في حكمة الشريعة و سننها في مصالح الدّنيا و وجه الرّحمة للعباد بها حتّى كان بعض العارفين يرى آية المداينة في البقرة من أقوى أسباب الرّجاء، فقيل له: و ما فيها من الرّجاء؟ فقال: الدّنيا كلّها قليل و رزق الإنسان منها قليل و الدّين قليل من رزقه، فانظر كيف أنزل اللّه تعالى فيه أطول آية ليهدي عبده إلى طريق الاحتياط في حفظ دينه فكيف لا يحفظ دينه الّذي لا عوض له منه.
المحجة