المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٦
المعاني الّتي ذكرناها علمت أنّ لكلّ واحد من القولين وجه في بعض الأحوال فربّ فقير صابر أفضل من غنيّ شاكر كما سبق، و ربّ غنيّ شاكر أفضل من فقير صابر، و ذلك هو الغنيّ الّذي يرى نفسه مثل الفقير إذ لا يمسك لنفسه من المال إلّا قدر الضرورة و الباقي يصرفه إلى الخيرات أو يمسكه على اعتقاد أنّه خازن المحتاجين و المساكين و إنّما ينتظر حاجة تسنح حتّى يصرف إليها ثمّ إذا صرف لم يصرفه لطلب جاه وصيت و لا لتقليد منّة بل أداء لحقّ اللّه تعالى في تفقّد عباده فهذا أفضل من الفقير الصابر.
فإن قلت: فهذا لا يثقل على النفس و الفقير يثقل عليه الفقر لأنّ هذا يستشعر لذّة القدرة و ذلك يستشعر ألم الصبر فإن كان متألّما بفراق المال فينجبر ذلك بلذّته في القدرة على الإنفاق، فاعلم أنّ الّذي تراه أنّ من ينفق ماله عن رغبة و طيب نفس أكمل حالا ممّن ينفقه و هو بخيل به، و إنّما يقتطعه عن نفسه قهرا و قد ذكرنا تفصيل هذا فيما سبق من كتاب التوبة، فإيلام النفس ليس مطلوبا لعينه بل لتأديبها و ذلك يضاهي ضرب كلب الصيد و الكلب المتأدّب أكمل من الكلب المحتاج إلى الضرب و إن كان صابرا على الضرب و لذلك يحتاج إلى الإيلام و المجاهدة في البداية، و لا يحتاج إليه في النهاية بل النهاية أن يصير ما كان مؤلما في حقّه لذيذا فإطلاق القول بأنّ الصبر أفضل من الشكر صحيح بالمعنى السابق إلى الأفهام فأمّا إذا أردت التحقيق فالصواب التفصيل فإنّ للصبر درجات أقلّها ترك الشكوى مع الكراهة، و وراءها الرّضا و هو مقام وراء الصبر، و وراؤه الشكر على البلاء، و هو وراء الرّضا إذ الصبر مع التألّم و الرّضا يمكن بما لا ألم فيه و لا فرح، و الشكر لا يمكن إلّا على محبوب مفروح به، و كذلك للشكر درجات كثيرة ذكرنا أقصاها و يدخل في جملتها أمور دونها فإنّ حياء العبد من تتابع نعم اللّه عليه شكر، و معرفته بتقصيره عن الشكر شكر، و الاعتذار من قلّة الشكر شكر، و المعرفة بعظيم حلم اللّه و كنف ستره شكر، و الاعتراف بأنّ النعم ابتداء من اللّه تعالى من غير استحقاق شكر، و العلم بأنّ الشكر أيضا نعمة من نعم اللّه و موهبة منه شكر، و حسن التواضع بالنعم و التذلّل فيها شكر، و شكر الوسائط شكر إذ قال عليه السّلام:
المحجة