المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٠
تراد للأحوال و الأحوال تراد للأعمال، فالأعمال هي الأفضل، و أمّا أرباب البصائر فالأمر عندهم بالعكس من ذلك فإنّ الأعمال تراد للأحوال و الأحوال تراد للعلوم، فالأفضل العلوم ثمّ الأحوال ثمّ الأعمال لأنّ كلّ مراد لغيره فذلك الغير لا محالة أفضل منه، و أمّا آحاد هذه الثلاثة فالأعمال قد تتساوى و قد تتفاوت إذا أضيف بعضها إلى بعض و كذا آحاد الأحوال إذا أضيف بعضها إلى بعض و كذا آحاد المعارف و أفضل المعارف علوم المكاشفة و هي أرفع من علوم المعاملة، بل علوم المعاملة دون المعاملة فإنّها تراد للمعاملة ففائدتها إصلاح العمل، و إنّما فضل العالم بالمعاملة على العابد إذا كان علمه ممّا يعمّ نفعه، فيكون بالإضافة إلى عمل خاصّ أفضل و إلّا فالعلم القاصر بالعمل ليس بأفضل من العمل القاصر، فنقول: فائدة إصلاح العمل إصلاح حال القلب و فائدة إصلاح حال القلب أن ينكشف له جلال اللّه في ذاته و صفاته و أفعاله، فأرفع علوم المكاشفة معرفة اللّه سبحانه و هي الغاية الّتي تطلب لذاتها فإنّ السعادة تنال بها بل هي عين السعادة و لكن قد لا يشعر القلب في الدّنيا بأنّها عين السعادة و إنّما يشعر بها في الآخرة فهي المعرفة الحرّة الّتي لا قيد عليها فلا تتقيّد بغيرها و كلّ ما عداها من المعارف عبيد و خدم بالإضافة إليها فإنّها إنّما تراد لأجلها و لمّا كانت مرادة لأجلها كان تفاوتها بحسب نفعها في الإفضاء إلى معرفة اللّه فإنّ بعض المعارف يفضي إلى بعض إمّا بواسطة و إمّا بوسائط كثيرة فكلّ ما كانت الوسائط بينه و بين معرفة اللّه أقلّ فهي أفضل، و أمّا الأحوال فنعني بها أحوال القلب في تصفيته و تطهيره عن شوائب الدّنيا و شواغل الخلق حتّى إذا طهر وصفا اتّضح له حقيقة الحقّ فإذن فضائل الأحوال بقدر تأثيرها في إصلاح القلب و تطهيره و إعداده لأن تحصل له علوم المكاشفة، و كما أنّ تصقيل المرآة يحتاج إلى أن يتقدّم على تمامه أحوال للمرآة بعضها أقرب إلى الصقالة من بعض فكذلك أحوال القلب، فالحالة القريبة أو المقرّبة من صفاء القلب هي أفضل ممّا دونها لا محالة بسبب القرب من المقصود و هكذا ترتيب الأعمال فإنّ تأثيرها في تأكيد صفاء القلب و جلب الأحوال إليه، و كلّ عمل فإمّا
المحجة