المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٠
الحجامة بمن يتولّى حجامتك مجّانا أو يسقيك دواء نافعا بشعا و هو مجّان فإنّك تتألّم و تفرح فتصبر على الألم و تشكره على سبب الفرح فكلّ بلاء في الأمور الدنيويّة مثاله مثال الدّواء الّذي يؤلم في الحال و ينفع في المآل، بل من دخل دار ملك للنظارة و علم أنّه يخرج منها لا محالة فرأى وجها حسنا لا يقدر على أن يخرج معه من الدّار كان ذلك بلاء عليه لأنّه يورثه الانس بمنزل لا يمكنه المقام فيه، و لو كان عليه في المقام خطر من أن يطّلع عليه الملك فيعذّبه فأصابه ما يكره حتّى نفره عن المقام كان ذلك نعمة عليه و الدّنيا منزل و قد دخلها الناس من باب الرّحم و هم خارجون عنها إلى باب اللّحد، فكلّ ما يحقّق انسهم بالمنزل فهو بلاء و كلّ ما يزعج قلوبهم عنها و يقطع انسهم بها فهو نعمة فمن عرف هذا تصوّر منه أن يشكر على البلاء، و من لم يعرف هذه النعمة في البلاء لم يتصوّر منه الشكر لأنّ الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة، و من لا يؤمن بأنّ ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصوّر منه الشكر على المصيبة.
و حكي أنّ أعرابيّا عزّى ابن عبّاس على أبيه فقال:
اصبر نكن بك صابرين فإنّما
صبر الرّعيّة بعد صبر الرّاس
خير من العبّاس أجرك بعده
و اللّه خير منك للعبّاس
فقال ابن عبّاس: ما عزّاني أحد أحسن من تعزيته و الأخبار الواردة في الصبر على المصائب كثيرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من يرد اللّه به خيرا يصب منه» [١] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «قال اللّه تعالى: إذا وجّهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثمّ استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا» [٢] و قال عليه السّلام: «ما من عبد أصيب بمصيبة فقال كما أمره اللّه: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» اللّهمّ أجرني في مصيبتي و أعقبني خيرا منها
[١] أخرجه البخاري ج ٧ ص ١٤٩ كتاب الطب ح ٥.
[٢] أخرجه الحكيم الترمذي من حديث أنس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير باب القاف ج ٢ ص ٨٣.
المحجة