المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٩
شيء من هذه الأسباب يوجد من العبد إلّا و يتصوّر أن يكون له فيه خيرة دينيّة فعليه أن يحسن الظنّ باللّه و يقدّر فيه الخيرة و يشكره عليه، فإنّ حكمة اللّه واسعة و هو بمصالح العباد أعلم من العباد و غدا يشكره العباد على البلايا إذا رأوا ثواب اللّه على البلايا كما يشكر الصبيّ بعد العقل و البلوغ استاده و أباه على ضربه و تأديبه إذ يدرك ثمرة ما استفاده من التأديب، و البلاء تأديب من اللّه تعالى و عنايته بعباده أتمّ و أوفر من عناية الآباء بالأولاد فقد روي أنّ رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أوصني فقال: «لا تتّهم اللّه في شيء قضاه عليك»[١]و نظر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى السماء فضحك فسئل فقال: «عجبت لقضاء اللّه تعالى للمؤمن إن قضى له بالسرّاء رضي و كان خيرا له و إن قضى له بالضرّاء رضي و كان خيرا له» [١].
و الوجه الثاني: رأس الخطايا المهلكة حبّ الدّنيا و رأس أسباب النجاة التجافي بالقلب عن دار الغرور، و مؤاتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء و مصيبة تورث طمأنينة القلب إلى الدّنيا و أسبابها حتّى تصير كالجنّة في حقّه فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته و إذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدّنيا و لم يسكن إليها و لم يأنس بها و صارت الدّنيا سجنا عليه و كان نجاته منها غاية اللّذّة كالخلاص من السجن و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الدّنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر» [٢] و الكافر كلّ من أعرض عن اللّه و لم يرد إلّا الحياة الدّنيا و رضي بها و اطمأنّ إليها و المؤمن كلّ منقلع بقلبه عن الدّنيا شديد الحنين إلى الخروج منها، و الكفر بعضه ظاهر و بعضه خفيّ، و بقدر حبّ الدّنيا في القلب سرى فيه الشرك الخفيّ بل الموحّد المطلق هو الّذي لا يحبّ إلّا الواحد الحقّ، فإذن في البلاء نعم من هذا الوجه فيجب الفرح به، و أمّا التألّم فهو ضروريّ و ذلك يضاهي فرحك عند الحاجة إلى
[١] أخرجه أحمد ج ٥ ص ٣١٩ من حديث عبادة بن صامت بزيادة في أوله و في اسناده عبد اللّه ابن لهيعة و هو صدوق الا أنه خلط بعد احتراق كتبه.
[١] أخرجه البغوي ج ٢ ص ١٧٩ من حديث صهيب بسند صحيح.
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤١١٣ و غيره في كتاب الزهد.
المحجة