المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٦
يضطرّ إلى إيذائه و إهانته و لو عرف ذلك و آذى كان إثمه أعظم لا محالة فليس من آذى نبيّا أو وليّا و هو يعرف كمن آذى و هو لا يعرف، و منها إبهام اللّه أمر القيامة و إبهامه ليلة القدر و ساعة يوم الجمعة و إبهامه بعض الكبائر فكلّ ذلك نعمة لأنّ هذا الجهل يوفّر دواعيك على الطلب و الاجتهاد فهذه وجوه نعم اللّه في الجهل فكيف في العلم و حيث قلنا: إنّ للَّه في كلّ موجود نعمة فهو حقّ، و ذلك مطّرد في حقّ كلّ أحد و لا يستثنى عنه بالظنّ إلّا الآلام الّتي يخلقها في بعض الناس و هي أيضا قد تكون نعمة في حقّ غير المتألّم بها و إن لم تكن نعمة في حقّه كالألم الحاصل من المعصية كقطعه يد نفسه و وشمه بشرته فإنّه يتألّم به و هو عاص به، و ألم الكفّار في النّار فهي أيضا نعمة و لكن في حقّ غيرهم من العباد لا في حقّهم لأنّ مصائب قوم عند قوم فوائد و لو لا أنّ اللّه خلق العذاب و عذّب به طائفة لما عرف المتنعّمون قدر نعمه و لأكثر فرحهم بها ففرح أهل الجنّة إنّما يتضاعف إذا تفكّروا في آلام أهل النار، أما ترى أهل الدّنيا ليس يشتدّ فرحهم بنور الشمس مع شدّة حاجتهم إليها من حيث إنّها عامّة مبذولة و لا يشتد فرحهم بالنظر إلى زينة السماء و هي أحسن من كلّ بستان لهم في الأرض يجتهدون في عمارته و لكن زينة السماء لما عمّت لم يشعروا بها و لم يفرحوا بسببها، فإذن قد صحّ ما ذكرناه من أنّ اللّه تعالى لم يخلق شيئا إلّا و فيه حكمة و لا خلق شيئا إلّا و فيه نعمة، إمّا على جميع عباده أو على بعضهم، فإذن في خلق اللّه البلاء أيضا نعمة إمّا على المبتلى و إمّا على غير المبتلى، فإذن كلّ حالة لا يوصف بأنّها بلاء مطلق و لا نعمة مطلقة فيجتمع فيها على العبد وظيفتان الصبر و الشكر جميعا، فإن قلت: فهما متضادّان فكيف يجتمعان إذ لا صبر إلّا على غمّ و لا شكر إلّا على فرح؟ فاعلم أنّ الشيء الواحد قد يغتمّ به من وجه و يفرح به من وجه آخر، فيكون الصبر من حيث الاغتمام و الشكر من حيث الفرح، و في كلّ فقر و مرض و خوف و بلاء في الدّنيا خمسة أمور ينبغي أن يفرح العاقل بها و يشكر عليها: أحدها أنّ كلّ مصيبة و مرض فيتصوّر أن يكون أكبر منها إذ مقدورات اللّه تعالى لا تتناهى فلو ضعّفها اللّه و زادها ما ذا كان يردّه و يحجزه فليشكر إذ لم
المحجة