المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٣
فسبيله أن ينظر أبدا إلى من دونه و يفعل ما كان يفعله بعض الصوفيّة إذا كان يحضر كلّ يوم دار المرضى و المقابر و المواضع الّتي تقام فيها الحدود فكان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع بلاء اللّه تعالى عليهم ثمّ يتأمّل في صحّته و سلامته فيشعر قلبه بنعمة الصحّة عند شعوره ببلاء الأمراض و يشكر اللّه تعالى، يشاهد الجناة الّذين يقتلون و تقطع أطرافهم و يعذّبون بأنواع العذاب ليشكر اللّه على عصمته من الجنايات و من تلك العقوبات و يشكر اللّه على نعمة الأمن، و يحضر المقابر فيعلم أنّ أحبّ الأشياء إلى الموتى أن يردّوا إلى الدّنيا و لو يوما واحدا أمّا من عصى اللّه فليتدارك و أمّا من أطاع فليزد في طاعته فإنّ يوم القيامة يوم التغابن فالمطيع مغبون إذ يرى جزاء طاعته فيقول: كنت أقدر على أكثر من هذه الطاعات فما أعظم غبني إذ ضيّعت بعض الأوقات في المباحات، و أمّا العاصي فغبنه ظاهر فإذا شاهد المقابر و علم أنّ أحبّ الأشياء إليهم أن يكون قد بقي لهم من العمر ما بقي له فيصرف بقيّة العمر إلى ما يشتهي أهل القبور العود لأجله ليكون ذلك معرفة لنعم اللّه في بقيّة العمر بل في الإمهال في كلّ نفس من الأنفاس، و إذا عرف تلك النعمة شكر بأن يصرف العمر إلى ما خلق العمر لأجله و هو التزوّد من الدّنيا للآخرة فهذا علاج هذه القلوب الغافلة الغليظة لتشعر بنعم اللّه فعساها تشكر، و لقد كان ربيع بن خثيم مع تمام استبصاره يستعين بهذه الطريق تأكيدا للمعرفة فكان قد حفر في داره قبرا فكان يضع غلّا على عنقه و ينام في لحده ثمّ يقول: ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا ثمّ يقول و يقول:
يا ربيع قد أعطيت ما سألت فاعمل قبل أن تسأل الرّجوع فلا تردّ، و ممّا ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر أن تعرف أنّ النعمة إذا لم تشكر زالت و لم تعد، و لذلك كان الفضيل يقول: عليكم بمداومة الشكر على النعم فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم. و قال بعض السلف: النعم وحشية فقيّدوها بالشكر. و في الخبر «ما عظمت نعمة اللّه على عبد إلّا كثرت حوائج الناس إليه، فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال»[١]و قال اللّه سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» [١]
[١] أخرجه ابن عدى في الكامل و ابن حبان في الضعفاء من حديث معاذ بن جبل بلفظ «الا عظمت مئونة الناس عليه فمن لا يحتمل تلك المئونة- الحديث-» و هكذا أخرجه البيهقي في الشعب عن عائشة عن معاذ كما في الجامع الصغير و المغني.
[١] الرعد: ١١.
المحجة