المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢
و الاضطراب و ذلك سوء الخاتمة و لمثل هذا قال سبحانه و تعالى: «وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ» بل التوبة كما قال تعالى: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» [١] و معناه عن قريب عهد بالخطيئة بأن يتندّم عليها و يمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرّين على القلب فلا يقبل المحو و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «أتبع السيّئة الحسنة تمحها» و لذلك قال لقمان لابنه: يا بنيّ لا تؤخّر التوبة فإنّ الموت يأتي بغتة، و من ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين أحدهما أن يتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتّى يصير رينا و طبعا فلا يقبل المحو، و الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو و لذلك ورد في الخبر «إنّ أكثر صياح أهل النّار من التسويف»[١]فما هلك من هلك إلّا بالتسويف فيكون تسويده للقلب نقدا و جلاؤه بالطاعة نسيئة إلى أن يختطفه الأجل فيأتي اللّه بقلب غير سليم و لا ينجو إلّا من أتى اللّه بقلب سليم، فالقلب أمانة اللّه تعالى عند عبده و العمر أمانة اللّه عنده و كذا سائر أسباب الطاعة، فمن خان في الأمانة و لم يتدارك خيانته فأمره مخطر.
قال بعض العارفين: إنّ للَّه تعالى إلى عبده سرّين يسرّهما إليه على سبيل الإلهام أحدهما إذا خرج من بطن أمّه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدّنيا ظاهرا نظيفا و استودعتك عمرك و ائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة، و انظر كيف تلقاني.
و الثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ما ذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتّى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة و العقاب. و إليه الإشارة بقوله تعالى: «أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ» [٢] و بقوله تعالى: «وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ» [٣].
[١] قال العراقي: لم أجد له أصلا.
[١] النساء: ١٩ و ١٨.
[٢] البقرة: ٤٠.
[٣] المؤمنون: ٨.
المحجة