المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٤
الموكّلين بالسماوات و الأرضين و أجزاء النبات و الحيوانات حتّى على كلّ قطرة من المطر و كلّ سحاب ينجرّ من جانب إلى جانب أكثر من أن تحصى فلذلك تركنا الاستشهاد بها.
فإن قلت: فهلّا فوّضت هذه الأفعال إلى ملك واحد و لم افتقر إلى سبعة أملاك و الحنطة أيضا تحتاج إلى من يطحن أوّلا ثمّ إلى من يميّز عنه النخالة و يدفع الفضلة ثانيا، ثمّ إلى من يصبّ الماء عليه ثالثا، ثمّ إلى من يعجن رابعا، ثمّ إلى من يقطعها كرات مدوّرة خامسا، ثمّ إلى من يرقّها رغفانا عريضة سادسا، ثمّ إلى من يلصقها بالتنّور سابعا، و لكن قد يتولّى جميع ذلك رجل واحد يستقلّ به مرّة بعد أخرى فهلّا كانت أعمال الملائكة باطنا كأعمال الإنس ظاهرا فاعلم أنّ خلقة الملائكة تخالف خلقة الإنس و ما من واحد منهم إلّا و هو وحدانيّ الصفة ليس فيه خلط و تركيب البتة فلا يكون لكلّ واحد منهم إلّا فعل واحد و إليه الإشارة بقوله تعالى: «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» [١] فلذلك ليس بينهم تنافس و تقاتل، بل مثالهم في تعيّن مرتبة كلّ واحد و فعله عليه مثال الحواسّ الخمس فإنّ البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات، و لا الشمّ يزاحمها و لا هما يزاحمان الشمّ و ليس كاليد و الرّجل، فإنّك قد تبطش بأصابع الرّجل بطشا ضعيفا فتزاحم به اليد و قد تضرب غيرك برأسك فتزاحم اليد الّتي هي آلة الضرب و لا كالإنسان الواحد الّذي يتولّى بنفسه الطحن و العجن و الخبز فإنّ هذا نوع من الاعوجاج و العدول عن العدل سببه اختلاف صفات الإنسان و اختلاف دواعيه، فإنّه ليس وحدانيّ الصفة فلم يكن وحدانيّ الفعل و لذلك ترى الإنسان يطيع اللّه مرّة و يعصيه أخرى لاختلاف دواعيه و صفاته، و ذلك غير ممكن في طباع الملائكة بل هم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقّهم فلا جرم «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. و يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ» و الرّاكع منهم راكع أبدا و الساجد منهم ساجد أبدا و القائم قائم أبدا لا اختلاف في أفعالهم و لا فتور و لكلّ واحد مقام معلوم لا يتعدّاه
[١] الصافات: ١٦٤.
المحجة