المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١١
اجتمعوا و ائتلوا و بنوا المدن و البلاد و رتّبوا المساكن و الدّور متقاربة متجاورة، و رتّبوا الأسواق و الخانات و سائر أصناف البقاع ممّا يطول احصاؤه، ثمّ هذه المحبّة تزول بأغراض يتزاحمون عليها و يتنافسون فيها ففي جبلّة الإنسان الغيظ و الحسد و المنافسة و ذلك ممّا يؤدّي إلى التقاتل و التنافر، فانظر كيف سلّط اللّه عزّ و جلّ السلاطين و أمدّهم بالقوّة و العدّة و الأسباب، و ألقى رعبهم في قلوب الرّعايا حتّى أذعنوا لهم طوعا و كرها، و كيف هدى السلاطين إلى طريق إصلاح العباد حتّى رتّبوا أجزاء البلد كأنّها أجزاء شخص واحد يتعاون على غرض واحد ينتفع البعض منها بالبعض، فرتّبوا الرّؤساء و القضاء و الشحن و زعما، الأسواق و اضطرّوا الخلق إلى قانون العدل و ألزموهم التساعد و التعاون حتّى صار الحدّاد ينتفع بالقصّاب و الخبّاز و سائر أهل البلد و كلّهم ينتفعون بالحدّاد، و صار الحجّام ينتفع بالحرّاث و الحرّاث بالحجّام و ينتفع كلّ واحد بكلّ واحد بسبب ترتّبهم و اجتماعهم و انضباطهم تحت ترتيب السلطان و جمعه كما يتعاون أعضاء البدن و ينتفع بعضها ببعض، و انظر كيف بعث الأنبياء حتّى أصلحوا السلاطين المصلحين للرّعايا و عرفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الخلق و قوانين السياسة في ضبطهم و كشفوا من أحكام الإمامة و السلطنة و أحكام الفقه ما اهتدوا به إلى إصلاح الدّنيا فضلا عمّا أرشدوهم إليه من إصلاح الدّين و انظر كيف أصلح اللّه الأنبياء بالملائكة، و كيف أصلح الملائكة بعضهم ببعض إلى أن تنتهي إلى الملك المقرّب الّذي لا واسطة بينه و بين اللّه، فالخبّاز يخبز العجين، و الطحّان يطحن الحبّ، و الحرّاث يصلحه بالحصاد، و الحدّاد يصلح آلات الحراثة، و النجّار يصلح آلات الحدّاد، و كذا جميع أرباب الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة و السلاطين يصلحون الصنّاع، و العلماء يصلحون السلاطين، و الأنبياء يصلحون العلماء الّذين هم ورثتهم، و الملائكة يصلحون الأنبياء إلى أن ينتهى إلى حضرة الرّبوبيّة الّتي هي ينبوع كلّ نظام و مطلع كلّ حسن و جمال و منشأ كلّ ترتيب و تأليف و كلّ ذلك نعم من ربّ الأرباب و مسبّب الأسباب و لو لا فضله و كرمه إذ قال تعالى: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
المحجة