المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٠
لينزل الماء إلى آخر الأعمال من جهة الملائكة حتّى ينتهي النوبة إلى عمل الإنسان فإذا استدار فقد عمل عليه قريب من سبعة آلاف صانع كلّ صانع صناعته أصل من أصول الصنائع الّتي بها يتمّ مصلحة الخلق، ثمّ تأمّل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات حتّى أنّ الإبرة الّتي هي آلة صغيرة و فائدتها خياطة اللّباس الّذي يمنع البرد عنك لا تكمل صورتها من حديد تصلح للإبرة حتّى تمرّ على يدي الإبريّ خمسا و عشرين مرّة يتعاطى في كلّ مرّة منها عملا، فلو لم يجمع اللّه البلاد و لم يسخّر العباد و افتقرت إلى عمل المنجل الّذي تحصد به البرّ مثلا بعد نباته لنفد عمرك و عجزت عنه، أ فلا ترى كيف هدى اللّه عبده الّذي خلقه من نطفة قذرة لأن يعمل هذه الأعمال العجيبة و الصنائع الغريبة، فانظر إلى المقراض مثلا و هما جلمان متطابقان ينطبق أحدهما على الآخر فيتناولان الشيء معا و يقطعانه بسرعة و لو لم يكشف اللّه طريق اتّخاذه بفضله و كرمه لمن قبلنا و افتقرنا إلى استنباط الطريق فيه بفكرنا ثمّ إلى استخراج الحديد من الحجر و إلى تحصيل الآلات الّتي يعمل بها المقراض و عمر الواحد منّا عمر نوح و أوتي أكمل العقول لقصر عمره عن استنباط الطريق في إصلاح هذه الآلة وحدها فضلا عن غيرها، فسبحان من ألحق ذوي الأبصار بالعميان و سبحان من منع التبيين مع هذا البيان فانظر الآن لو خلا بلدك عن الطحّان مثلا أو عن الحدّاد أو عن الحجّام الّذي عمله أخسّ الأعمال أو عن الحائك أو عن واحد من جملة الصنّاع ما ذا يصيبك من الأذى و كيف يضطرب عليك أمورك كلّها فسبحان من سخّر بعض العباد لبعض حتّى نفذت به مشيّته و تمّت به كلمته و ثبتت به حكمته و لنوجز القول في هذه الطبقة أيضا فإنّ الغرض التنبيه على النعم دون الاستقصاء.
الطرف السابع في إصلاح المصلحين:
اعلم أنّ هؤلاء الصنّاع المصلحين للأطعمة و غيرها لو تفرّقت آراؤهم و تنافرت طباعهم تنافر طباع الوحوش لتبدّدوا و تباعدوا و لم ينتفع بعضهم ببعض بل كانوا كالوحوش لا يحويهم مكان واحد و لا يجمعهم غرض واحد، فانظر كيف ألّف اللّه بين قلوبهم و سلّط الانس و المحبّة عليهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم و لكنّ اللّه ألّف بين قلوبهم، فلأجل الألفة و تعارف الأرواح
المحجة