المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١
عمره بمثل ما مضى من جهله. و إنّما قال هذا لأنّ العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة إذا ضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة و إن ضاعت منه و صار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منه أشدّ، و كلّ ساعة من العمر بل كلّ نفس جوهرة نفيسة لا خلف لها و لا بدل منها فانّها صالحة لان توصلك إلى سعادة الأبد و تنقذك من شقاوة الأبد و أيّ جوهر أنفس من هذا فإذا ضيّعتها في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا و إن صرفتها إلى معصية فقد هلكت هلاكا فاحشا فإن كنت لا تبكي على هذه المصيبة فذلك لجهلك و مصيبتك بجهلك أعظم من كلّ مصيبة لكنّ الجهل مصيبة لا يعرف المصاب بها أنّه صاحب مصيبة فإنّ نوم الغفلة يحول بينه و بين معرفته «و الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» فعند ذلك ينكشف لكلّ مفلس إفلاسه، و لكلّ مصاب مصيبته، و قد وقع اليأس عن التدارك. قال بعض العارفين: إنّ ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنّه قد بقي من عمرك ساعة و أنّك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الحزن و الأسف و الحسرة ما لو كانت له الدّنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضمّ إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها و يتدارك تفريطه فلا يجد إليها سبيلا و هو أوّل ما يظهر من معاني قوله تعالى: «وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ» [١] و إليه الإشارة بقوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها» [٢] فقيل الأجل القريب الّذي يطلبه معناه أنّه يقول عند كشف الغطاء للعبد: يا ملك الموت أخّرني يوما أعتذر فيه إلى ربّي و أتوب و أتزوّد صالحا لنفسي، فيقول: فنيت الأيّام فلا يوم، فيقول: أخّرني ساعة فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب التوبة فيغرغر بروحه و يتردّد أنفاسه في شراسيفه و يتجرّع غصّة اليأس عن التدارك و حسرة الندامة على تضييع العمر فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال فإذا زهقت نفسه فإن كانت سبقت له من اللّه الحسني خرجت روحه على التوحيد و ذلك حسن الخاتمة، و إن سبق له القضاء بالشقوة- و العياذ باللّه- خرجت روحه على الشكّ
[١] سبأ: ٥٤.
[٢] المنافقين: ١١ و ١٢.
المحجة