المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٧
بل المنهيّ عنه في النجوم أمران أحدهما أن يصدّق بأنّها فاعلة لآثارها مستقلّة بها و أنّها ليست مسخّرة تحت تدبير مدبّر خلقها و قهرها و هذا كفر، و الثاني تصديق المنجّمين في تفصيل ما يخبرون عنه من الآثار الّتي لا يشترك في دركها كافّة الخلق لأنّهم يقولون ذلك عن جهل، فإنّ علم أحكام النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء ثمّ اندرس ذلك العلم فلم يبق منه إلّا ما هو مختلط لا يتميّز فيه الصواب عن الخطأ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار تحصل بخلق اللّه تعالى في الأرض و في النّبات و الحيوان ليس بقادح في الدّين بل هو الحقّ و لكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل قادح في الدّين، و لذلك إذا كان معك ثوب غسّلته و تريد تجفيفه فقال لك غيرك: أخرج الثوب أبسطه فإنّ الشمس قد طلعت و حمى الهواء، لا يلزمك تكذيبه و لا يلزمك الإنكار عليه بحوالته حمى الهواء على طلوع الشمس، و إذا سألت عن تغيّر وجه الإنسان فقال: قرعتني الشمس في الطريق فاسودّ وجهي لم يلزمك تكذيبه، و قس بهذا سائر الآثار إلّا أنّ آثار بعضها معلومة و آثار بعضها مجهول فالمجهول لا يجوز دعوى العلم فيه و المعلوم بعضه معلوم للناس كافّة كحصول الضياء و الحرارة بطلوع الشمس و بعضه لبعض الناس كحصول الزّكام بشروق القمر فإذن الكواكب ما خلقت عبثا بل فيها حكم كثيرة لا تحصى و لقد نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى السماء و قرأ قوله تعالى: «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ» ثمّ قال: «ويل لمن قرأ هذه الآية ثمّ مسح بها سبلته»[١]و معناه أن يقرأ و يترك التأمّل و يقتصر من فهم ملكوت السماوات على أن يعرف لون السماء و ضوء الكواكب و ذلك ممّا يعرفه البهائم أيضا فمن قنع منه بمعرفة ذلك فهو الّذي مسح بها سبلته فللّه في ملكوت السماوات و الأرض و الآفاق و الأنفس و الحيوانات و النباتات عجائب يطلب معرفتها المحبّون للَّه فإنّ من أحبّ عالما لم
[١] قال العراقي: أخرجه الثعلبي من حديث ابن عباس بلفظ «و لم يتفكر فيها» و فيه أبو جناب يحيى بن أبي حبة ضعيف.
المحجة