المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٥
و لنأخذ من جملتها حبّة من البرّ و لندع سائر الأغذية فنقول: إذا وجدت حبّة أو حبّات فلو أكلتها فنيت و بقيت جائعا فما أحوجك إلى أن تنمو الحبّة في نفسها و تزيد و تتضاعف حتّى تفي بجميع حاجتك، فخلق اللّه تعالى في حبّة الحنطة من القوى ما تغتذي به كما خلق فيك، فإنّ النبات إنّما يفارقك في الحسّ و الحركة و لا يفارقك في الاغتذاء لأنّه يغتذي بالماء و يجتذب إلى باطنه بواسطة العروق كما تغتذي أنت و تجتذب، و لسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه و لكن نشير إلى غذائه فنقول: كما أنّ الخشب و التراب لا يغذيك بل تحتاج إلى طعام مخصوص فكذلك الحبّة لا تغتذي بكلّ شيء بل تحتاج إلى شيء مخصوص بدليل أنّك لو تركتها في البيت لم تزد لأنّه لم يحط بها إلّا الهواء، و مجرّد الهواء لا يصلح لغذائها و لو تركتها في الماء لم تزد و لو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد بل لا بدّ من أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا، و إليه الإشارة بقوله تعالى:
«فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا» [١] ثمّ لا يكفي الماء و التراب إذ لو تركت في أرض نديّة صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء فيحتاج إلى تركها في أرض رخوة متخلخلة يتغلغل الهواء إليها، ثمّ الهواء لا يتحرّك إليها بنفسه فيحتاج إلى ريح تحرّك الهواء و تضربه بقهر و عنف على الأرض حتّى ينفذ فيها و إليه الإشارة بقوله تعالى: «وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ» [٢] و إنّما إلقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء و الماء و الأرض، ثمّ كلّ ذلك لا يغنيك لو كان في برد مفرط أو شتاء شاتي فتحتاج إلى حرارة الرّبيع و الصيف، فقد بان احتياج غذائه إلى هذه الأربعة، فانظر إلى ما ذا يحتاج كلّ واحد إذ يحتاج الماء لينساق إلى أرض الزّراعة من البحار و العيون و الأنهار و السواقي فانظر كيف خلق البحار و فجر العيون و أجرى منها الأنهار، ثمّ الأرض ربّما تكون مرتفعة و المياه لا ترتفع إليها فانظر كيف خلق الغيوم و كيف سلّط الرّياح عليها لتسوقها بإذنه إلى أقطار العالم و هي سحب ثقال حوامل بالماء، ثمّ انظر كيف يرسله مدرارا
[١] عبس: ٢٥ و ٢٦ و ٢٧.
[٢] الحجر: ٢٢.
المحجة