المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٧
إلى ما يضرّ و ينفع في الحال أمّا في المآل فلا تكفي فيه هذه الإرادة فخلق لك إرادة أخرى مسخّرة تحت إشارة العقل المعرّف للعواقب كما خلق الشهوة و الغضب مسخّرة تحت إدراك الحسّ المدرك للحالة الحاضرة فتمّ بها انتفاعك بالعقل إذ كان مجرّد المعرفة بأنّ هذه الشهوة مثلا تضرّك لا تغنيك في الاحتراز عنها ما لم يكن لك ميل إلى العمل بموجب المعرفة و هذه الإرادة أفردت بها عن البهائم إكراما لبني آدم كما أفردت بمعرفة العواقب و قد سمّينا هذه الإرادة باعثا دينيّا و فصّلناه في كتاب الصبر تفصيلا أوفى من هذا.
الطرف الثالث: في نعم اللّه تعالى في خلق القدرة و آلات الحركة
. اعلم أنّ الحسّ لا يفيد إلّا الإدراك و الإرادة لا معنى لها إلّا الميل إلى الطلب أو الهرب و هذا لا كفاية فيه ما لم تكن فيك آلة الطلب و الهرب فكم من مريض مشتاق إلى شيء بعيد منه مدرك له لكنّه لا يمكنه أن يمشي إليه لفقد رجله أو لا يمكنه أن يتناوله لفقد يده أو لفلج أو خدر فيهما، فلا بدّ من آلات للحركة و قدرة في تلك الآلات على الحركة لتكون حركتها بمقتضى الشهوة طلبا و بمقتضى الكراهة هربا فلذلك خلق اللّه تعالى لك الأعضاء الّتي تنظر إلى ظاهرها و لا تعرف أسرارها فمنها ما هو للطلب و الهرب كالرّجل للإنسان و الجناح للطير و القوائم للدّوابّ، و منها ما هو للدّفع كاليد للإنسان و القرن للحيوان، و في هذا تختلف الحيوانات اختلافا كثيرا فمنها ما يكثر أعداؤه و يبعد غذاؤه، فيحتاج إلى سرعة الحركة فخلق له الجناح ليطير بسرعة، و منها ما خلق له أربع قوائم، و منها ماله رجلان، و منها ما يدبّ و ذكر ذلك يطول فلنذكر الأعضاء الّتي بها يتمّ الأكل فقط ليقاس عليها غيرها، فنقول رؤيتك الطعام من بعد و حركتك إليه لا تكفي ما لم تأخذه فافتقرت إلى آلة باطشة فأنعم اللّه عليك بخلق اليدين و هما طويلتان فتمدّان إلى الأشياء و مشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرّك في الجهات فتمتدّ و تنثني إليها فلا تكون كخشبة منصوبة، ثمّ جعل رأس اليد عريضا بخلق الكفّ، ثمّ قسم رأس الكفّ بخمسة أقسام هي الأصابع و جعلها في صفّين بحيث يكون الإبهام في جانب و يدور على الأربعة الباقية و لو كانت مجتمعة
المحجة