المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٨
إلى كلّ أحد لما تصوّر أن ينضاف إلى النبوّة الملك كما كان لرسولنا عليه السّلام و لا أن ينضاف إليهما الغنى كما كان لسليمان عليه السّلام، فالناس كلّهم صبيان و الأموال حيّات و الأنبياء عليهم السّلام و العارفون معزّمون، و قد يضرّ الصبيّ ما لا يضرّ المعزّم، نعم المعزّم لو كان له ولد يريد بقاءه و صلاحه و قد وجد حيّة و علم أنّه لو أخذها لأجل ترياقها لاقتدى به ولده و أخذ الحيّة إذا رآها ليلعب بها فيهلك فله غرض في الترياق و له غرض في حفظ الولد، فواجب عليه أن يزن غرضه في الترياق بغرضه في حفظ الولد، فإذا كان يقدر على الصبر عن الترياق و لا يستضرّ به ضررا كثيرا و لو أخذها لأخذها الصبيّ و يعظم ضرره بهلاكه، فواجب عليه أن يهرب عن الحيّة إذا رآها، و يشير على الصبيّ بالهرب و يقبّح صورتها في عينه و يعرّفه أنّ فيها سمّا قاتلا لا ينجو منه أحد و لا يحدّثه أصلا بما فيها من نفع الترياق، فإنّ ذلك ربما يغرّه فيقدم عليه من غير تمام المعرفة، و كذلك الغوّاص إذا علم أنّه لو غاص في البحر بمرأى من ولده لاتّبعه و هلك فواجب عليه أن يحذّر الصبيّ ساحل البحر و النهر، فإن كان لا ينزجر الصبيّ بمجرّد الزجر مهما رأى أباه يحوم حول الساحل فواجب عليه أن يبعد من الساحل مع الصبيّ فلا يقرب منه بين يديه، فكذلك الامّة في حجر الأنبياء عليهم السّلام كالصبيان الأغبياء و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أنا لكم مثل الوالد لولده» [١] و قال عليه السّلام: «إنّكم تتهافتون في النار تهافت الفراش و أنا آخذ بحجزكم»[١]و حظّهم الأوفى في حفظ أولادهم عن المهالك فإنّهم لو يبعثوا إلّا لذلك و ليس لهم في المال حظّ إلّا بقدر القوت فلا جرم اقتصروا على قدر القوت و ما فضل فلم يمسكوه بل أنفقوه فإنّ الإنفاق فيه الترياق و في الإمساك السمّ، و لو فتح للناس باب كسب المال و رغبوا فيه لمالوا إلى سمّ الإمساك و رغبوا عن ترياق
[١] متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ مثلي و مثل الناس و قال مسلم «و مثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب و الفراش يقعن فيه فأنا آخذ بحجزتكم و أنتم تقتحمون فيه».
[١] أخرجه مسلم و قد تقدم.
المحجة البيضاء، جلد٧، ص: ١٨٩
الإنفاق، فلذلك قبّحت الأموال و المعنيّ به تقبيح إمساكها و الحرص عليها للاستكثار منها، و التوسّع في نعيمها بما يوجب الرّكون إلى الدّنيا و لذّاتها، فأمّا أخذها بقدر الكفاية و صرف الفاضل إلى الخيرات فليس بمذموم و حقّ كلّ مسافر أن لا يحمل إلّا بقدر زاده في السفر إذا صمّم العزم على أن يختصّ بما يحمله فأمّا إذا سمحت نفسه بإطعام الطعام و توسيع الزّاد على الرّفقاء فلا بأس بالاستكثار، و قوله عليه السّلام: «ليكن بلاغ أحدكم من الدّنيا كزاد الرّاكب» [١] معناه لأنفسكم خاصّة و إلّا فقد كان فيمن يروي هذا الحديث و يعمل به من يأخذ مائة ألف درهم في موضع واحد و يفرّقها في موضعه و لا يمسك منها حبّة، فإذن النعم الدّنياويّة مشوبة قد امتزج دواؤها بدائها، و مرجوّها بمخوفها، و نفعها بضرّها، فمن وثق ببصيرته و كمال معرفته فله أن يقرب منها متّقيا داءها و مستخرجا دواءها، و من لا يقدر على ذلك فالبعد البعد، و الفرار الفرار عن مظانّ الأخطار فلا تعدل بالسلامة شيئا في حقّ هؤلاء و هم الخلق كلّهم إلّا من عصمه اللّه تعالى و هداه لطريقه.
فإن قلت: فما معنى النعم التوفيقيّة الرّاجعة إلى الهداية و الرّشد و التأييد و التسديد؟ فاعلم أنّ التوفيق لا يستغنى عنه أحد و هو عبارة عن التأليف و التلفيق بين إرادة العبد و بين قضاء اللّه و قدره، و هذا يشمل الخير و الشرّ و ما هو سعادة و ما هو شقاوة، و لكن جرت العادة بتخصيص اسم التوفيق بما يوافق السعادة من جملة قضاء اللّه و قدره كما أنّ الإلحاد عبارة عن الميل فخصّص بمن يميل إلى الباطل عن الحقّ و كذا الارتداد و لا خفاء بالحاجة إلى التوفيق و لذلك قيل:
إذا لم يكن عون من اللّه للفتى
فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
فأمّا الهداية
فلا سبيل لأحد إلى طلب السعادة إلّا بها لأنّ داعية الإنسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته و لكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتّى يظنّ الفساد صلاحا فمن أين ينفعه مجرّد الإرادة فلا فائدة في الإرادة و القدرة و الأسباب إلّا بعد الهداية، و لذلك قال تعالى:
[١] أخرجه ابن ماجه، و الحاكم ج ٤ ص ٣١٧ من حديث سلمان.
المحجة