المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٢
«لا عيش إلّا عيش الآخرة»[١]قال ذلك مرّة في الشدّة تسلية للنفس و ذلك في وقت حفر الخندق في شدّة الضرّ، و مرّة في السرور منعا للنفس من الرّكون إلى سرور الدّنيا و ذلك عند إحداق الناس به في حجّة الوداع قال رجل: «اللّهمّ إنّي أسألك تمام النعمة» فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و هل تعلم ما تمام النعمة؟ قال: لا، قال: تمام النعمة دخول الجنّة» [١].
و أمّا الوسائل فتنقسم إلى الأقرب الأخصّ كفضائل النفس و إلى ما يليه في القرب كفضائل البدن و هو الثاني، و إلى ما يليه في القرب و يجاوز إلى غير البدن كالأسباب المطيفة بالبدن من المال و الأهل و العشيرة، و إلى ما يجمع بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس و بين الحاصلة للنفس كالتوفيق و الهداية فهي إذن أربعة أنواع: النوع الأوّل و هو الأخصّ الفضائل النفسيّة و يرجع حاصلها مع انشعاب أطرافها إلى الإيمان و حسن الخلق و ينقسم الإيمان إلى علم المكاشفة و هو العلم باللّه تعالى و صفاته و ملائكته و رسله، و إلى علوم المعاملة و حسن الخلق و ينقسم إلى قسمين ترك مقتضى الشهوة و الغضب و اسمه العفّة و مراعاة العدل في الكفّ عن مقتضى الشهوات و الإقدام حتّى لا يمتنع أصلا و لا يقدم كيف شاء بل يكون إقدامه و إحجامه بالميزان العدل الّذي أنزله اللّه تعالى على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قال تعالى: «أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ. وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ» [٢] فمن خصى نفسه ليزيل شهوة النكاح أو ترك النكاح مع القدرة و الأمن من الآفات أو ترك الأكل حتّى ضعف عن العبادة و الذّكر و الفكر فقد أخسر الميزان، و من انهمك في شهوة البطن و الفرج فقد طغى في الميزان و إنّما العدل أن يخلو وزنه و تقديره عن الطغيان و الخسران فتعتدل به كفّتا الميزان، فإذن الفضائل الخاصّة بالنفس المقرّبة إلى اللّه تعالى أربعة:
[١] أخرجه مسلم ج ٥ ص ١٨٨ من حديث سهل بن سعد في قصة حفر الخندق قال صلّى اللّه عليه و آله: «اللهم لا عيش الا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين و الأنصار».
[١] أخرجه الترمذي ج ١٣ ص ٥١ من حديث معاذ بن جبل.
[٢] الرحمن: ٨ و ٩.
المحجة