المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨١
و عالم الشهادة تابع لعالم الغيب كما أنّ الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة و الصورة في المرآة و إن كانت هي الثانية في رتبة الوجود فإنّها أولى في حقّ رؤيتك، فإنّك لا ترى نفسك و ترى صورتك في المرآة أوّلا فتعرف بها صورتك الّتي هي قائمة بك ثانيا على سبيل المحاكاة، فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حقّ المعرفة و القلب المتأخّر متقدّما، و هذا النوع من الانعكاس و لكن الانعكاس و الانتكاس ضرورة هذا العالم، و كذلك عالم الملك و الشهادة محاك لعالم الغيب و الملكوت، فمن الناس من يسرّ له نظر الاعتبار فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلّا و يعبر به إلى عالم الملكوت فيسمّى عبوره عبرة و قد امر الخلق به فقال: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» و منهم من عميت بصيرته فلم يعتبر فاحتبس في عالم الملك و الشهادة و ستنفتح إلى حبسه أبواب جهنّم و هذا الحبس ممتلئ نارا من شأنها أن تطّلع على الأفئدة إلّا أنّ بينه و بين إدراك ألمها حجابا، فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك و عن هذا أظهر اللّه تعالى الحقّ على لسان قوم استنطقهم بالحقّ فقالوا: الجنّة و النار مخلوقتان. و لكنّ الجحيم تدرك مرّة بإدراك يسمّى علم اليقين و مرّة بإدراك آخر يسمّى عين اليقين، و عين اليقين لا يكون إلّا في الآخرة، و علم اليقين قد يكون في الدّنيا و لكن للّذين وفّر حظّهم من نور اليقين، فلذلك قال اللّه تعالى:
«كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ» أي في الدّنيا «ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ» [١] أي في الآخرة، فإذن قد ظهر أنّ القلب الصالح لملك الآخرة لا يكون إلّا عزيزا كالشخص الصالح لملك الدّنيا.
القسمة السادسة
و هي الحاوية لمجامع النعم، اعلم أنّ النعم تنقسم إلى ما هي غاية مطلوبة لذاتها و إلى ما هي مطلوبة لأجل الغاية، أمّا الغاية فإنّها سعادة الآخرة، و يرجع حاصلها إلى أربعة أمور بقاء لا فناء له، و سرور لا غمّ فيه، و علم لا جهل معه، و غنى لا فقر بعده، و هي النعمة الحقيقيّة و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
[١] التكاثر: ٦ و ٧.
المحجة