المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٠
الرّتبة تشبّثت به لذّة الغلبة و هي أشدّها التصاقا بالمتغافلين فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة فصار أغلب اللّذّات عليه لذّة العلم و الحكمة لا سيّما لذّة معرفة اللّه تعالى و معرفة صفاته و أفعاله، و هذه رتبة الصدّيقين و لا ينال تمامها إلّا بخروج استيلاء حبّ الرّئاسة من القلب «و آخر ما يخرج من رءوس الصدّيقين حبّ الرّئاسة»، و أمّا شره البطن و الفرج فكسره ممّا يقوى عليه الصالحون و شهوة الرّئاسة لا يقوى على قهرها إلّا الصدّيقون، فأمّا قمعها بالكلّية حتّى لا يقع بها الإحساس على الدّوام و في اختلاف الأحوال فيشبه أن يكون خارجا عن مقدور البشر، نعم تغلب لذّة معرفة اللّه في أحوال لا يقع معها الإحساس بلذّة الرّئاسة و الغلبة و لكن ذلك لا يدوم طول العمر بل تعتريه الفترات فتعود إليه الصفات البشريّة فتكون موجودة، لكن تكون مقهورة لا تقوى على حمل النفس على العدول عن العدل، و عند هذا تنقسم القلوب إلى أربعة أقسام: قلب لا يحبّ إلّا اللّه و لا يستريح إلّا إليه و إلى زيادة المعرفة به و الفكر فيه، و قلب لا يدري ما لذّة المعرفة و ما معنى الانس باللّه، و إنّما لذّته بالجاه و الرّئاسة و المال و سائر الشهوات البدنيّة، و قلب أغلب أحواله الانس باللّه سبحانه و التلذّذ بمعرفته و الفكر فيه، و لكن قد يعتريه في بعض الأحوال الرّجوع إلى أوصاف البشريّة، و قلب أغلب أحواله التلذّذ بالصفات البشريّة و يعتريه في بعض الأحوال تلذّذ بالعلم و المعرفة، و أمّا الأوّل فإن كان ممكنا في الوجود فهو في غاية البعد، و أمّا الثاني فالدّنيا طافحة به، و أمّا الثالث و الرّابع فموجودان و لكن على غاية الندور و لا يتصوّر أن يكون ذلك إلّا نادرا شاذّا و هو مع الندور يتفاوت في القلّة و الكثرة، و إنّما تكون كثرته في الأعصار القريبة من أعصار الأنبياء عليهم السّلام فلا يزال يزداد العهد طولا و يزداد مثل هذه القلوب قلّة إلى أن تقرب الساعة و يقضي اللّه أمرا كان مفعولا، و إنّما وجب أن يكون هذا نادرا لأنّه مبادي ملك الآخرة و الملك عزيز و الملوك لا يكثرون فكما لا يكون الفائق في الملك و الجمال إلّا نادرا و أكثر الناس من دونهم فكذا في ملك الآخرة فإنّ الدّنيا مرآة الآخرة فإنّها عبارة عن عالم الشهادة و الآخرة عبارة عن عالم الغيب
المحجة