المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٨
و الحكمة و إمّا في الشرّ فكالجهل فإنّه ضارّ و قبيح و مؤلم و إنّما يحسّ الجاهل بألم جهله إذا عرف أنّه جاهل و ذلك بأن يرى غيره عالما و يرى نفسه جاهلا فيدرك ألم النقص فتنبعث منه شهوة العلم للذّته ثمّ قد يمنعه الحسد و الكبر و الشهوات اللّذيذة عن التعلّم فيتجاذبه متضادّان فيعظم ألمه، فإنّه إن ترك التعلّم تألّم بالجهل و درك النقصان، و إن اشتغل بالتعلّم تألّم بترك الشهوات أو بترك الكبر و ذلّ التعلّم.
و مثل هذا الشخص لا يزال في عذاب دائم لا محالة، و الضرب الثاني مقيّد و هو الّذي جمع بعض هذه الأوصاف دون بعض فربّ نافع مؤلم كقطع الإصبع المتأكلة و السلعة الخارجة من البدن و ربّ نافع قبيح كالحمق فإنّه بالإضافة إلى بعض الأحوال نافع و قد قيل: استراح من لا عقل له فإنّه لا يهتمّ بالعاقبة فيستريح في الحال إلى أن يحين وقت هلاكه و ربّ نافع من وجه ضارّ من وجه كإلقاء المال في البحر عند خوف الغرق فإنّه ضارّ للمال و نافع للنفس في نجاتها، و النافع قسمان ضروريّ كالإيمان و حسن الخلق في الإيصال إلى سعادة الآخرة و أعني بهما العلم و العمل إذ لا يقوم مقامهما البتّة غيرهما و إلى ما لا يكون ضروريّا كالسكنجبين مثلا في تسكين الصفراء، فإنّه قد يمكن تسكينها أيضا بما يقوم مقامه.
القسمة الخامسة
اعلم أنّ النعمة يعبّر بها عن كلّ لذيذ و اللّذات بالإضافة إلى الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع عقليّة و بدنيّة مشتركة مع بعض الحيوانات و بدنيّة مشتركة مع جميع الحيوانات، أمّا العقليّة فكلذّة العلم و الحكمة إذ ليس يستلذّهما السمع و البصر و الشمّ و البطن و لا الفرج، و إنّما يستلذّهما القلب لاختصاصه بصفة يعبّر عنها بالعقل و هذه أقلّ اللّذّات وجودا و هي أشرفها، أمّا قلّتها فلأنّ العلم لا يستلذّه إلّا عالم و الحكمة لا يستلذّها إلّا حكيم و ما أقلّ أهل العلم و الحكمة و ما أكثر المتّسمين باسمهم و المترسّمين برسومهم، و أمّا شرفها فلأنّها لازمة لا تزول أبدا لا في الدّنيا و لا في الآخرة و دائمة لا تملّ، فالطعام يشبع منه فيملّ و شهوة الوقاع يفرغ عنها فتستثقل و العلم و الحكمة قطّ لا يتصوّر أن يملّ و يستثقل، و من قدر على الشريف الباقي
المحجة