المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٧
وجه اللّه تعالى و سعادة لقائه، و بالجملة سعادة الآخرة الّتي لا انقضاء لها فإنّها لا تطلب ليتوصّل بها إلى غاية أخرى مقصودة وراءها بل تطلب لذاتها: الثاني ما يقصد لغيره و لا غرض أصلا في ذاته كالدّرهم و الدّنانير فإنّ الحاجات لو كانت لا تنقضي بها لكانت هي و الحصى بمثابة واحدة و لكن لمّا كانت وسيلة إلى اللّذات سريعة الإيصال إليها صارت عند الجهّال محبوبة في نفسها حتّى يجمعوها و يكنزوها و يتصارفوا عليها بالرّبا و يظنّون أنّها مقصودة، و مثال هؤلاء مثال من يحبّ شخصا فيحبّ بسببه رسوله الّذي يجمع بينه و بينه، ثمّ ينسى في محبّة الرّسول محبّة الأصل فيعرض عنه طول عمره، و لا يزال مشغولا بتعهّد الرّسول و مراعاته و تفقّده و هو غاية الجهل و الضلال، و الثالث ما يقصد لذاته و لغيره كالصحّة و السلامة فإنّها تقصد ليقدر بسببها على الفكر و الذكر الموصلين إلى لقاء اللّه تعالى أو ليتوصّل بها إلى استيفاء لذّات الدّنيا و تقصد أيضا لذاتها فإن الإنسان و إن استغنى عن الشيء الّذي تراد سلامة الرّجل لأجله فيريد أيضا سلامة الرّجل من حيث أنّها سلامة فإذن المؤثّر لذاته فقطّ هو الخير و النعمة تحقيقا و ما يؤثّر لذاته و لغيره أيضا فهو نعمة و لكن دون الأوّل. فأمّا ما لا يؤثّر إلّا لغيره كالنقدين فلا يوصفان في أنفسهما من حيث هما جوهران بأنّهما نعمة بل من حيث هما وسيلتان فيكونان نعمة في حقّ من يقصد أمرا ليس يمكنه أن يتوصّل إليه إلّا بهما فلو كان مقصده العلم و العبادة و معه الكفاية الّتي هي ضرورة حياته استوى عنده الذّهب و المدر، و كان وجودهما و عدمهما عنده بمثابة واحدة، بل ربّما يشغله وجودهما عن الفكر و العبادة فيكونان بلاء في حقّه و لا يكونان نعمة.
القسمة الرّابعة:
اعلم أنّ الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى نافع و جميل و لذيذ فاللّذيذ هو الّذي تدرك راحته في الحال، و النافع هو الّذي يفيد في المآل، و الجميل هو الّذي يستحسن في سائر الأحوال، و الشرور أيضا تنقسم إلى ضارّ و قبيح و مؤلم، و كلّ واحد من القسمين ضربان مطلق و مقيّد فالمطلق هو الّذي اجتمع فيه الأوصاف الثلاثة إمّا في الخير فكالعلم و الحكمة فإنّها نافعة و جميلة و لذيذة عند أهل العلم
المحجة