المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٤
داعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه و الفعل المحبوب بالشخص.
المحبوب إتماما للعدل، فإنّ عدله تارة يتمّ بامور لا مدخل لك فيها، و تارة يتمّ بك فإنّك أيضا من أفعاله فداعيتك و قدرتك و علمك و عملك و سائر أسباب حركاتك في التعبير هو فعله الّذي رتّبه بالعدل ترتيبا تصدر منه الأفعال المعتدلة إلّا أنّك لا ترى إلّا نفسك فتظنّ أنّ ما يظهر عليك في عالم الشهادة ليس له سبب من عالم الغيب و الملكوت فلذلك تضيفه إلى نفسك، و إنّما أنت مثل الصبيّ الّذي ينظر ليلا إلى لعب المشعبذ الّذي يخرج صورا من وراء حجاب ترقص و تزعق و تقوم و تقعد و هي مؤلّفة من خرق لا تتحرّك بأنفسها و إنّما تحرّكها خيوط شعريّة دقيقة لا تظهر في ظلام اللّيل و رءوسها في يد المشعبذ، و هو محتجب عن أبصار الصبيان فيفرحون و يتعجّبون لظنّهم أنّ تلك الخرق ترقص و تلعب و تقوم و تقعد، و أمّا العقلاء فإنّهم يعلمون أنّ ذلك تحريك و ليس بتحرّك و لكنّهم ربّما لا يعرفون تفصيله، و الّذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلمه المشعبذ الّذي الأمر إليه و الجاذبة بيده، فكذلك صبيان أهل الدّنيا- و الخلق كلّهم صبيان إلّا العلماء- ينظرون إلى هذه الأشخاص فيظنّون.
أنّها المتحرّكة فيحيلون الحركة عليها، و العلماء يعلمون أنّهم محرّكون إلّا أنّهم لا يعرفون كيفيّة التحريك و هم الأكثرون إلّا العارفون و العلماء الرّاسخون[١]فإنّهم أدركوا بحدّة أبصارهم خيوطا دقيقة عنكبوتيّة بل أدقّ منها بكثير معلّقة من السماء متشبّثة الأطراف بأشخاص أهل الأرض لا تدرك تلك الخيوط لدقّتها بهذه الأبصار الظاهرة ثمّ شاهدوا رءوس تلك الخيوط في مناطات لها هي معلّقة بها و شاهدوا لتلك المناطات مقابض هي في أيدي الملائكة المحرّكين للسماوات و شاهدوا أبصار ملائكة السّماوات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ما ينزل إليهم من الأمر من حضرة الرّبوبيّة كي لا يعصوا اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون و عبّر عن هذه المكاشفات في القرآن فقيل: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ» [١] و عبّر عن انتظار ملائكة السماوات لما ينزل إليهم من الأمر و القدر فقيل:
[١] كذا و «الاّ» بمعنى «غير».
[١] الذاريات: ٢١.
المحجة