المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٣
يعبر بنفسه و ربّما لم يقدر على أن يستجرّ وراءه آخر، فهذه أمور نسبة السير عليها إلى السير على ما هو مجال جماهير الخلق كنسبة المشي على الماء إلى المشي على الأرض، و السباحة يمكن أن تتعلّم أمّا المشي على الماء فلا يكتسب بالتعلّم بل ينال بقوّة اليقين و لذلك قيل للنبيّ عليه السّلام: إنّ عيسى يقال إنّه مشى على الماء، فقال:
«لو ازداد يقينا لمشى على الهواء»[١]فهذه رموز و إشارات إلى معنى الكراهة و المحبّة و الرّضا و الغضب و الشكر و الكفران لا يليق بعلم المعاملة أكثر منها و قد ضرب اللّه تعالى مثلا لذلك تقريبا إلى أفهام الخلق إذ عرف أنّه ما خلق الجنّ و الإنس إلّا ليعبدوه و كانت عبادتهم غاية الحكمة في حقّهم، ثمّ أخبر أنّ له عبدين يحبّ أحدهما و اسمه جبرئيل و روح القدس و الأمين و هو عنده محبوب مطاع مكين، و يبغض الآخر و هو إبليس و هو اللّعين المنظر إلى يوم الدّين، ثمّ أجال الإرشاد إلى جبرئيل فقال: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» [١] و قال: «يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» [٢] و أحال الإغواء على إبليس فقال:
«ليضلّهم عن سبيله»[٢]و الإغواء هو استيقاف العباد دون بلوغ غاية الحكمة، فانظر كيف نسبه إلى العبد الّذي غضب عليه، و الإرشاد سياقه لهم إلى الغاية فانظر كيف نسبه إلى العبد الّذي أحبّه، و عندك في العادة له مثال فالملك إذا كان يحتاج إلى من يسقيه الشراب و إلى من يحجمه و ينظف فناء منزله عن القاذورات و كان له عبدان فلا يعيّن للحجامة و التنظيف إلّا أقبحهما و أخسّهما، و لا يفوّض حمل الشراب الطيّب إليه إلّا إلى أحسنهما و أكملهما و أحبّهما إليه، و لا ينبغي أن تقول: هذا فعلي و لم يكون فعله على دون فعلي[٣]. فإنّك أخطأت إذ أضفت ذلك إلى نفسك بل هو الّذي صرف
[١] قال العراقي: هذا حديث منكر لا يعرف هكذا و المعروف ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين من قول بكر بن عبد اللّه المزني قال: فقد الحواريون نبيهم فقيل لهم: توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه، فلما انتهوا إلى البحر إذا هو قد أقبل يمشى على الماء- فذكر حديثا فيه- أن عيسى قال: «لو أن لابن آدم من اليقين شعرة مشى على الماء».
[٢] الزمر: ٨ هكذا «لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ».
[٣] في بعض النسخ الاحياء [ذوق فعلى].
[١] النحل: ١٠٤.
[٢] المؤمن: ١٥.
المحجة