المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٩
الدّنيا إذ بها تندفع ضروراتهم و ترتفع حاجاتهم، نعم لا يدخل هذا في حدّ فتاوي الفقه لأنّ مقادير الحاجات خفيّة و النفوس في استشعار الفقر في الاستقبال مختلفة و أواخر الأعمار غير معلومة فتكليف العوام ذلك يجري مجرى تكليف الصّبيان الوقار و التؤدة و السكوت عن كلّ كلام غير مهمّ و هم بحكم نقصانهم لا يطيقونه فتركنا الاعتراض عليهم في اللّعب و اللّهو و إباحتنا إيّاهم ذلك لا يدلّ على أنّ اللّهو و اللّعب حقّ، و كذلك إباحتنا للعوام حفظ الأموال و الاقتصار في الإنفاق على قدر الزكوات لضرورة ما جبلوا عليه من البخل لا يدلّ على أنّه غاية الحقّ، و قد أشار القرآن إليه إذ قال تعالى: «إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا» [١] بل الحقّ الّذي لا كدورة فيه و العدل الّذي لا ظلم فيه أن لا يأخذ أحد من عباد اللّه من مال اللّه إلّا بقدر زاد الرّاكب، و كلّ عباد اللّه ركّاب لمطايا الأبدان إلى حضرة الملك الدّيّان فمن أخذ زيادة عليه ثمّ منعه عن راكب آخر محتاج إليه فهو ظالم تارك للعدول و خارج عن مقصود الحكمة و كافر نعمة اللّه عليه بالقرآن و الرّسول و العقل و سائر الأسباب الّتي بها عرف أنّ ما سوى زاد الراكب و بال عليه في الدّنيا و الآخرة، فمن فهم حكمة اللّه تعالى في جميع أنواع الموجودات قدر على القيام بوظيفة الشكر و استقصاء ذلك يحتاج إلى مجلّدات، ثمّ لا تفي إلّا بالقليل و إنّما أوردنا هذا القدر ليعلم علّة الصدق في قوله تعالى: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» [٢] و فرح إبليس لعنه اللّه بقوله: «وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ» [٣] فلا يعرف معنى هذه الآية من لم يعرف هذا كلّه و أمورا أخر وراء هذا ينقضي الأعمار دون استقصاء مباديها، فأمّا تفسير الآية و معنى لفظها فيعرف كلّ من يعرف اللّغة و بهذا يتبيّن لك الفرق بين المعنى و التّفسير.
فإن قلت: فقد رجع حاصل هذا الكلام إلى أنّ للَّه حكمة في كلّ شيء و أنّه جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام تلك الحكمة و بلوغها غاية المراد منها و جعل
[١] سورة محمد صلّى اللّه عليه و آله: ٣٧.
[٢] سبأ: ١٣.
[٣] الأعراف: ١٦.
المحجة