المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٨
ليبلغ منتهى نشوه فينفع به عباده. فكسره قبل منتهى نشوه لا على وجه ينتفع به.
عباده مخالفة لمقصود الحكمة و عدول عن العدل، فإن كان له غرض صحيح فله ذلك إذ الشجر و الحيوان جعل فداء لأغراض الإنسان فانّهما جميعا فانيان هالكان، فإفناء الأحسن في بقاء الأشرف مدّة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا، و إليه الإشارة بقوله تعالى: «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ» [١] نعم إذا كسر ذلك من ملك غيره فهو ظالم أيضا، و إن كان محتاجا لأنّ كلّ شجرة بعينها لا تفي بحاجات عباد اللّه كلّهم، بل تفي بحاجة واحد و لو خصّص واحد بها من غير رجحان و اختصاص كان ظلما و صاحب الاختصاص هو الّذي حصل البذر و وضعه في الأرض و ساق إليه الماء و قام بالتعهّد فهو أولى به من غيره فيرجّح جانبه بذلك فإن نبت ذلك في موات لا بسعي آدميّ اختصّ بمغرسه فلا بدّ من طلب اختصاص آخر و هو السّبق إلى أخذه فللسابق خاصيّة السبق فالعدل أن يكون هو أولى به، و عبّر الفقهاء عن هذا الترجيح بالملك و هو مجاز محض إذ لا ملك إلّا لملك الملوك الّذي له ما في السماوات و الأرض، فكيف يكون العبد مالكا و هو في نفسه ليس يملك نفسه بل هو ملك غيره، نعم الخلق عباد اللّه و الأرض مائدة اللّه و قد أذن لهم في الأكل من مائدته بقدر حاجتهم كالملك ينصب مائدة لعبيده فمن أخذ لقمة بيمينه و احتوت عليها براجمه فجاء عبد آخر و أراد انتزاعها من يده لم يمكن منه، لا لأنّ اللّقمة صارت ملكا له بالأخذ باليد فإنّ اليد و صاحب اليد أيضا مملوك، و لكن إذا كانت كلّ لقمة بعينها لا تفي بحاجة كلّ العبيد فالعدل في التخصيص عند حصول ضرب من الترجيح و الاختصاص و الأخذ اختصاص يتفرّد به العبد فمنع من لا يدلي بذلك الاختصاص عن مزاحمته، فهكذا ينبغي أن نفهم أمر اللّه في عباده، و لذلك نقول: من أخذ من أموال الدّنيا أكثر من حاجته و كنزه و أمسكه و في عباد اللّه من يحتاج إليه فهو ظالم و هو من الّذين يكنزون الذّهب و الفضّة و لا ينفقونها في سبيل اللّه، و إنّما سبيل اللّه طاعته و زاد الخلق في طاعته أموال
[١] الجائية: ١٣.
المحجة