المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٦
حكمة الشرع في تحريم الرّبا.
فهذا مثال واحد لحكمة خفيّة من حكم النقدين فينبغي أن يعتبر شكر النعمة و كفرانها بهذا المثال فكلّ ما خلق لحكمة فلا ينبغي أن يصرف عنها، و لا يعرف هذا إلّا من قد عرف الحكمة و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا و لكن لا تصادف جواهر الحكم في قلوب هي مزابل الشهوات و ملاعب الشياطين، بل لا يتذكّر إلّا أولوا الألباب، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لو لا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء» [١].
و إذا عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك و سكونك و نطقك و سكوتك و كلّ فعل صادر منك فإنّه إمّا شكر و إمّا كفران لا يتصوّر أن تنفكّ عنهما و بعض ذلك نصفه في لسان الفقه الّذي يناطق به عوام الخلق بالكراهة و بعضه الحظر و كلّ ذلك عند أرباب القلوب موصوف بالحظر، فأقول: مثلا لو استنجيت باليمين فقد كفرت نعمة اليدين إذ خلق اللّه تعالى لك اليدين و جعل إحداهما أقوى من الأخرى فاستحقّ الأقوى بمزيد رجحانه في الغالب التشريف و التفضيل إذ تفضيل الناقص عدول عن العدل و اللّه لا يأمر إلّا بالعدل، ثمّ أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال بعضها شريف كأخذ المصحف و بعضها خسيس كإزالة النجاسة فإذا أخذت المصحف باليسار و أزلت النجاسة باليمين فقد خصّصت الشريف بما هو خسيس فغضضت من حقّه و ظلمته و عدلت عن العدل، و كذلك إذا بزقت مثلا في جهة القبلة أو استقبلتها في قضاء الحاجة فقد كفرت نعمة اللّه في خلق الجهات و خلق سعة العالم لأنّه خلق الجهات ليكون متّسعك في حركاتك، و قسّم الجهات إلى ما لم يشرّفها و إلى ما شرّفها بأن وضع فيها بيتا أضافه إلى نفسه استمالة لقلبك إليه ليتقيّد به قلبك فيتقيّد بسببه بدنك في تلك الجهة على هيئة الثبات و الوقار إذا عبدت ربّك، و كذلك انقسمت أفعالك إلى ما هي شريفة كالطاعات و إلى ما هي خسيسة كقضاء الحاجة و رمي البزاق، فإذا رميت بزاقك إلى جهة القبلة فقد ظلمتها و كفرت نعمة اللّه تعالى
[١] تقدم غير مرة في الصوم و غيره.
المحجة