المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٤
جهنّم[١].» و كلّ من عامل معاملة الرّبا على الدّراهم و الدّنانير فقد كفر النعمة و ظلم لأنّهما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا اتّجر في عينهما فقد اتّخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم و من معه ثوب و لا نقد معه فقد لا يقدر على أن يشتري به طعاما و دابّة، و إذ ربّما لا يباع الطعام و الدّابة بالثوب فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل النقد فيتوصّل به إلى مقصوده فانّهما وسيلتان إلى الغير لا غرض في أعيانهما، و موقعهما من الأموال كموقع الحرف من الكلام كما قال النحويّون: إنّ الحرف هو الّذي جاء لمعنى في غيره.
و كموقع المرآة من الألوان، فأمّا من معه نقد فلو جاز له أن يبيع بالنقد فيتّخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيّدا عنده و ينزل منزلة المكنوز، و تقييد الحاكم و البريد الموصل إلى الغير ظلم كما أنّ حبسه ظلم فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلّا اتّخاذ النقد مقصودا للادّخار و هو ظلم.
فإن قلت: فلم جاز بيع أحد النقدين بالآخر و لم جاز بيع الدّرهم بمثله؟
فاعلم أنّ أحد النقدين يخالف الآخر في مقصود التوصّل إذ قد يتيسّر التوصّل بأحدهما من حيث كثرته كالدّراهم تتفرّق في الحاجات قليلا قليلا، ففي المنع منه ما يشوّش المقصود الخاصّ به و هو تيسّر التوصّل به إلى غيره، و أمّا بيع الدّرهم بدرهم يماثله فجائز من حيث إنّ ذاك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا و لا يشتغل به تاجر، فإنّه عبث يجري مجرى وضع الدّرهم على الأرض و أخذه بعينه و نحن لا نخاف
[١] أخرجه مسلم ج ٦ ص ١٣٤ من حديث أم سلمة. و في النهاية «يجرجر في بطنه» اى يحدر فيها نار جهنّم فجعل الشرب و الجرع جرجرة و هي صوت وقوع الماء في الجوف قال الزمخشري: يروى برفع النار و الأكثر النصب. و هذا القول مجاز لان نار جهنم على الحقيقة لا تجرجر في جوفه و الجرجرة صوت البعير عند الضجر و لكنه جعل صوت جرع الإنسان للماء في هذه الاوانى المخصوصة لوقوع النهى عنها و استحقاق العقاب على استعمالها كجرجرة نار جهنم في بطنه من طريق المجاز، هذا وجه رفع النار و يكون قد ذكر يجرجر بالياء للفصل بينه و بين النار فاما على النصب فالشارب هو الفاعل و النار مفعوله يقال: جرجر فلان الماء إذا جرعه جرعا متواترا له صوت، فالمعنى كأنما يجرع نار جهنم. انتهى.
المحجة