المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٣
هو في صورته كأنّه ليس بشيء و هو في معناه كأنّه كلّ الأشياء، و الشيء إنّما تستوي نسبته إلى المختلفات إذا لم يكن له صورة خاصّة تقيّدها بخصوصها كالمرآة لا لون لها و تحكي كلّ لون، فكذلك النقد لا غرض فيه و هو وسيلة إلى كلّ غرض، و كالحرف لا معنى له في نفسه و تظهر به المعاني في غيره، فهذه هي الحكمة الثانية، و فيهما أيضا حكم يطول ذكرها فكلّ من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم فقد كفر نعمة اللّه تعالى فيهما، فإذن من كنزهما فقد ظلمهما و أبطل الحكمة فيهما، و كان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه لأنّه إذا كنز فقد ضيّع الحكم و لا يحصل الغرض المقصود به و ما خلقت الدّراهم و الدّنانير لزيد خاصّة و لا لعمرو خاصّة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنّهما حجران و إنّما خلقا لتتداولهما الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس و علامة معرفة للمقادير مقوّمة للمراتب فأخبر اللّه تعالى الّذين يعجزون عن قراءة الأسطر الإلهيّة المكتوبة على صفحات الموجودات بخطّ إلهي لا حرف فيه و لا صوت، الّذي لا يدرك بعين البصر بل بعين البصيرة أخبر هؤلاء العاجزين بكلام سمعوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى وصل إليهم بواسطة الحرف و الصوت المعنى الّذي عجزوا عن إدراكه فقال: «وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» [١] و كلّ من اتّخذ من الدّراهم و الدّنانير آنية من ذهب أو فضّة فقد كفر النعمة، و كان أسوأ حالا ممّن كنز لأنّ مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة و الكنس و الأعمال الّتي يقوم بها أخسّاء الناس، و الحبس أهون منه، و ذلك أنّ الخزف و الحديد و الرّصاص و النّحاس تنوب مناب الذّهب و الفضّة في حفظ المايعات عن أن تتبدّد، و إنّما تراد الأواني لحفظ المايعات و لا يكفي الخزف و الحديد في المقصود الّذي أريد به النقود فمن لم ينكشف له هذا انكشف له بالترجمة الإلهيّة، و قيل له: «من شرب في آنية من ذهب أو فضّة فكأنّما يجرجر في بطنه نار
[١] التوبة: ٣٥.
المحجة